فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ـ [الواحدي] ــــــــ [11 - Jan-2009, صباحًا 05:02] ـ
( ... تابع)
5_ تأمُّل النص الفرنسي والترجمات العربية، على السواء، يجعلنا نجزم أنَّ المترجم لم يستوعب بعض أفكار الأفغاني، بل لم يدرك دلالة بعض ألفاظه؛ لذا جاءت بعض الفقرات مضطربة، وبعضها يشي بخطأ المترجم في اختيار عباراته في مواضع أخرى من النص نفسه ...
8_ غفل بدوي عن كون الأفغاني فلسفي المشرب، وهذه غفلة لا تُحمَد من متفلسف! والأفغاني في ردِّه على رينان إنَّما انطلق من مشربه الفلسفي الذي استقاه من التراث الإسلامي، القائل بازدواجية الطريق إلى الحق، والمقرِّر أنَّ الحكمة والشريع تؤديان -كلٌّ حسب منهجه- إلى الحقيقة. وهو -وفقا لهذا المنطلق- عندما يقرِّر أنّ الواقع التاريخي للإسلام"خنق العلم"إنما يقصد الفكر الفلسفي والفكر العقلاني. والمترجم الذي ساغ أفكاره ثم ترجمها (بعجمة مزدوجة!) أثبت مكان العقل والعقلانية لفظة"العلم". والأفغاني كان رهينًا لتكوينه الفلسفي القائم على الفلسفة الإسلامية؛ وهي عمومًا ترى العلوم لصيقة بها أو متطوِّرةً إلى جوارها، كما كان الشأن بالنسبة للفلسفة اليونانية .. ومن هنا كان حكمه على علاقة الواقع التاريخي للإسلام بالعلم ... وفي استشهاده بمحاربة الخليفة الهادي للفلسفة والفلاسفة ما يؤكِّد ذلك.
9_ خاتمة رد الأفغاني على رينان، رغم التشوهات الناتئة على ألفاظ من ترجمها إلى الفرنسية، تؤكِّد أنه إنَّما قرّر ما قرَّره ابن رشد مِن قبل ...
10_ لو تأمَّل عبد الرحمن بدوي قليلا في الكتاب الذي نقل عنه مقتطفات من مقال الأفغاني، لتبيَّن له أنَّ ما فهمه من كلام الأفغاني خاطئ. فهو ينقل عمَّا ألحقته المستشرقة"غواشون"بترجمتها لـ"الرد على الدهريين". و"الرد على الدهريين"إنما كُتِب أساسًا ردًّا على سيِّد أحمد خان، الذي كان ادَّعى أنّ العلم أهمّ من مبادئ الدين في نهضة الحضارات. وهذا ما حيّر بعض الباحثين، فاعتبره من"تناقضات الأفغاني". والأمر ليس كذلك؛ بل التناقض نشأ عن الخلط الواقع في نقل أفكاره، ثم في ترجمتها إلى الفرنسية.
وعليه، فإنَّ مقال الأفغاني جنت عليه الترجمة من جانب، كما جنى عليه سوء الفهم لمنطلقاته ومشاربه من جانب آخر. وكل اللغط الذي وقع فيه عبد الرحمن بدوي إنما أتاه من هذين الجانبين ...
(يتبع ... )
ـ [الواحدي] ــــــــ [11 - Jan-2009, صباحًا 05:44] ـ
( ... تابع)
كا ما سبق من كلام، إنَّما كان إنصافًا للرجل، وتوضيحًا للأوهام التي وقع فيها عبد الرحمن بدوي. وأعني بالإنصاف: توثيق نسبة النص إلى الأفغاني، ثم فهم النص على ما أراده هو. وإذا كان أسلوب الأفغاني صعبًا ومعقَّدًا بالعربية ذاتها، فما بالك إذا تُرجِم إلى الفرنسية، بقلم عربي! ثم ما بالك إذا كان هذا العربي المفرنس سياسيًا جاهلا بمصطلحات الفلاسفة ولغتهم! ثم ما بالك إذا كان هذا السياسي سياسيًا في ترجمته؛ استغل اسم الأفغاني وموافقته ليمرِّر أفكاره هو وأحلامه"النهضوية"! ثم ما بالك إذا كان هذا المترجم نصرانيا حاقدًا على الخلافة العثمانية!
وقد يقول قائل:"استنكر بعض المقيمين في فرنسا مقال الأفغاني إثر صدوره، فلماذا لم يصدر عنه تكذيب؟"
والجواب: أنَّه كانت تربطه بخليل غانم علاقة أقوى من المقال، وهي مرتبطة بمشروعه الإصلاحي. وكان قد بلغ خريف العمر، وهو في سباق مع الزمن لتحقيق ذلك المشروع .. فلم يكن الوقت متسعًا لتحرير التكذيبات والدخول في خصومة مع من اعتبرهم أصدقاء ...
كذلك: لعلَّه قال في نفسه"رُبَّ رمية مِن غير رامٍ"، لأنَّ المقال -على الصورة التي حُرِّر بها- كان مطمئنًا للأنتلجنسيا الفرنسية، وكان الأفغاني يراهن سياسيًا على فرنسا ...
هذا بالنسبة للإنصاف.
فكونه مخالفًا، لا يعني أنّ حكم مخالف آخر له حق. وقد يكون كلام المخالف عن مخالف آخر مخالفًا للصواب والإنصاف ...
أمَّا عن الحكم عليه وعلى أفكاره، فرأيي أنَّ أفضل من انتقد"مدرسة الإصلاح"المصرية وحلّل جذورها ونبّه إلى انزلاقاتها هو الشيخ مصطفى صبري، في كتابه"موقف العقل والعلم والعالم مِن ربِّ العالمين وعباده المرسَلين". وقد قرأته منذ فترة طويلة، ومع ذلك لم تغب عن ذاكرتي هذه الكلمات التي دبَّجها في الحكم على محمد عبده وشيخه، وحفظتها عن ظهر قلب. يقول:
"أمَّا النهضة الإصلاحية المنسوبة إلى الشيخ محمد عبده، فملخّصها أنه زعزع الأزهر عن تمسُّكه بالدين؛ فقرَّب كثيرًا من الأزهريين إلى اللادينيين خطوات، ولم يقرِّب اللادينيين إلى الدين خطوة"!!
وفي كتابه هذا يتهم جمال الدين الأفغاني بأنه هو الذي أدخل الماسونية إلى الأزهر!
لكن ينبغي التنبيه إلى الحذر من الإدانات القاطعة والكُلِّيَّة في حق هؤلاء، إذ في تراثهم خير عميم .. واللبيب هو الذي يحتضن ما يفيد ويجانب ما يضر، ثم بعد ذلك يتكلم بلسان الإنصاف.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
_ ملاحظة: خليل غانم موظف نصراني في عهد الخلافة العثمانية، فرَّ إلى باريس"ليمارس المعارضة". وهو أحد الأعضاء المؤسسين لحزب"تركيا الفتاة"...
(يُتْبَعُ)