فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
فهذا ردّ على بعض ما جاء في كلام عبد الله الجنابي في اللقاء الذي أجرته معه قناة الجزيرة أُحرره بمشيئة الله تعالى على عجالة، ولم أستقص كلّ ما جاء في كلامه لاشتغالي بغيره وضيق الوقت عن ذلك، ولكن لا بدّ مِن بيان الحقّ للناس حتّى لا ينساقوا وراء التلبيس والمغالطات التي تضلّهم وتتفرّق بهم عن سبيل الله، وهي نصيحة للجنابي لعلّه أن يتوب ويرجع إلى الحقّ. فأقول:
ذكر الجنابي أن الإعلان عن دولة العراق الإسلاميّة هو مما انتُقد على أهله، وكلامه يدلّ على أنّه لا يقرّ هذا الأمر وأنّه في نظره مخالف للشرع!! وأنّ هنالك فصائل كثيرة فلماذا يعلن هؤلاء عن الدولة الإسلاميّة!! إلى آخر ما ذكره مما لا تطيب النفس بالاسترسال في ذكره.
فأقول: لمّا سمعتُ كلامه وانتقاده ما زلتُ أعجب وأتفكّر كيف أنّ الفتن تمحّص الصفّ وتميّز بين الثابث على المنهج الصحيح وبين غيره، نسأل الله تعالى العافية والسلامة والثبات على المنهج، فما الذي ينقمه الشيخ! مِنهم، هل ينقم مِنهم إلا أنّهم دعوا الناس إلى التوحّد والإجتماع على راية شرعيّة واحدة، وعلى قيادة واحدة، إمثالًا لأمر الله عزّ وجلّ (واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا) . ولقوله تعالى (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا مِن بعد ما جاءهم البيّنات وأولئك لهم عذاب عظيم) . فهذا هو حقيقة ما دعوا الناس إليه، لم يدعوهم إلى اختلاف وتفرّق، ولا إلى بدعة وعصبيّة، ولا إلى راية عمياء.
ولو كان الأمر بالعكس لتوجّه الانتقاد عليهم، فلو أنّ الفصائل الجهاديّة كانت مجتمعةً على راية شرعيّة واحدة لا تعدد فيها، ثمّ خرج الذين ينتقدهم الجنابي بما يدعون الناس إليه مِن الانضمام إليهم لكان قد توجّه عليهم اللوم والانتقاد، فكيف والأمر بخلاف هذا، كانت الفصائل الجهاديّة متعددة على الساحة، والقيادات متنوّعة، وكلّ جماعة لها أميرها ولها شأنها الذي يفصلها عن بقيّة الفصائل، وكلّ هذا مِن التعدد والاختلاف الذي لا يقرّه الشرع، ومَن نسب إلى الشرع إقراره لهذا فهو كاذب وإن كان ممّن ينتسب إلى العِلم.
والمقصود أنّهم دعوا الناس إلى الانضمام إلى الدولة الإسلاميّة، وأنّ يجتمعوا على قيادة شرعيّة واحدة تخلّصًا مِن واقع التعدديّة المرفوض الذي لا يرضاه الشرع.
والسؤال هنا: هل الإشكال عند هؤلاء الطاعنين في الدولة الإسلاميّة هو في دعوتهم إلى الجماعة الواحدة، أم الإشكال الحقيقيّ عندهم هو في تنازع الإمارة، وفي عين مَن يكون أميرًا؟
فإن كان الأوّل فهو إشكال عقائديّ خطير، وذلك لأنّ الجماعة الواحدة هي مِن أبرز سمات أهل السنّة والجماعة، وهذه كتب العقيدة تدلّ على تقرير هذا الأمر وتبيّن أنّ أهل السنّة هم أهل جماعة وائتلاف لا أهل تفرّق وبدعة واختلاف.
فمِن الضلال المبين ومِن التقوّل على الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم وعلى دينه وشرعه أنْ نقول كما يقول هؤلاء: لِيعمل كلٌّ على حِدَته، ونسكت على هذا التعدد في الفصائل والجماعات الجهاديّة. فهذه الدعوة في حقيقتها هي الدعوة المفرّقة للجماعة والمخالفة لِما أمر الله تعالى به ورسوله عليه الصلاة والسلام.
ولهذا أقول: لا أظنّ أنّ أحدًا ممّن ينتسب إلى الجهاد وبغيته الحقّ يشكك في وجوب الجماعة الواحدة، ولكنّ الذي أحسبه أنّ أمر هؤلاء المفرّقين المتفرّقين دبّ إليه داء الهوى وحبّ النفس والعُجب بها والحسد والبغضاء، أعاذنا الله تعالى مِن هذه الأمراض التي تفتك بأصحابها.
فعندهم: لماذا تكون الإمارة لفلان مِن الناس، ونحن هنا على الساحة نعمل ونعمل!!، فهذا ما ينطق به لسان حالهم، وفي لسان مقالهم ما يلوّح به.
فبالله عليك يا مَن بغيته الحقّ، هل بِمثل هذه التلبيسات الشيطانيّة يُرَدّ حُكم الشرع بالاجتماع والائتلاف على راية شرعيّة واحدة؟؟! ولكنّه الهوى الذي يعمي ويصمّ.
وإذا كان الأمر في حقيقته يتعلّق بشخصِ وبعينِ مَن يكون أميرًا، فمَن التلبيس على الناس ومِن الخداع المنافي للنصح أن نُلبس هذه النزعة الشيطانيّة لباس الحكمة والمعرفة بالشرع كما يدّعون.
(يُتْبَعُ)