فهرس الكتاب

الصفحة 14542 من 28557

لذا، فإنه لمن المناسب قبل الحديث عن هذه الظوهر تفصيلًا، التقديم لها بذكر أسبابها.

الأسباب العامة في ظهور سمات الخوارج في كل زمان

قبل أن أذكر ما تيسر لي استقراؤه من أسباب ظهور نزعات الخوارج وسماتهم في العصر الحديث، أرى أن نستقرئ الأسباب العامة - التاريخية - التي غالبًا ما تكون ممهدة لظهور الخوارج، أو خصالهم وسماتهم في أي زمان أو بيئة، وأهمها في نظري ما يلي:

1 -قلة الفقه في الدين، أي ضعف العلم الشرعي، أو أخذ العلم علي غير نهج سليم.

2 -الغلو في الدين والتنطع، أي التشدد في الدين.

3 -الغيرة غير المتزنة (العاطفة بلا علم ولا حكمة) .

4 -الابتعاد عن العلماء، وجفوتهم، وترك التلقي عنهم والاقتداء بهم.

5 -التعالم والغرور، والتعالي على العلماء والناس.

6 -حداثة السن، وقلة التجارب.

7 -شيوع المنكرات والفساد والظلم في المجتمع، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو التقصير فيه.

8 -النقمة على الواقع وأهله.

9 -تحدي الخصوم، واستفزازهم للشباب والدعاة (المكر الكبَّار) ، وكيدهم للدين وأهله.

10 -قلة الصبر، وضعف الحكمة في الدعوة.

11 -أخذ العلم عن غير أهله، ومن غير أهله، أو على غير منهج سليم.

إذا توافرت هذه الأسباب ونحوها أو أكثرها، مهد هذا لظهور الخوارج، أو بعض سماتهم وخصالهم، في أي زمان، وأي مكان، وأي مجتمع؛ وبخاصة إذا أضيف إلى هذه الأسباب تقصير الولاة، وغفلة العلماء وطلاب العلم والدعاة المتصدرين، عن معالجة هذه السمات وأسبابها في وقت مبكر.

هذا ما يتعلق بالأسباب العامة على مدار التاريخ.

أسباب ظهور سمات الخوارج في العصر الحديث

أما ما يتعلق بالأسباب التي هيأت لبروز سمات الخوارج وخصالهم في العصر الحديث فهي كثيرة ومتشابكة تتمثل - في نظري - فيما يلي:

-إعراض أكثر المسلمين عن دينهم، عقيدة وشريعة وأخلاقًا إعراضًا لم يحدث مثله في تاريخ الإسلام؛ مما أوقعهم في ضنك العيش وفي حياة الشقاء كما قال- تعالى-: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا) "سورة طه، الآية: 124".

يتجلى هذا الإعراض بأمور كثيرة في حياة كثير من المسلمين اليوم؛ أفرادًا وجماعات، ودولًا وشعوبًا، وهيئات ومؤسسات، ومن مظاهر هذا الإعراض:

أ - كثرة البدع والعقائد الفاسدة وما نتج عن ذلك من الافتراق والفرق والأهواء، والتنازع والخصومات في الدين.

ب - الإعراض عن نهج السلف الصالح وجهله، أو التنكر له.

ج - العلمنة الصريحة في أكثر بلاد المسلمين، التي أدت إلى الإعراض عن شرع الله، وإلى الحكم بغير ما أنزل الله، وظهور الزندقة والتيارات الضالة، والتنكر للدين والفضيلة؛ مما أدى إلى:

د - شيوع الفساد، وظهور الفواحش والمنكرات، وحمايتها.

هـ - التعلق بالشعارات، والمبادئ الهدامة والأفكار المستوردة.

وكل هذه الأمور ونحوها مما يندرج تحت مفهوم الإعراض عن شرع الله تثير غيرة الشباب المتدين، وحين لا يظهر له السعي الجاد لتغيير الحال وإنكار المنكر، يلجأ إلى التصدي لهذه الانحرافات بلا علم ولا حكمة.

و - وقوع أكثر المسلمين في التقصير في حق الله تعالى، وارتكابهم للذنوب والمعاصي، والمنكرات، وضعف مظاهر التقوى والورع والخشوع في حياة المسلمين اليوم.

ز- ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو التقصير فيه في أكثر بلاد المسلمين.

-شيوع الظلم بشتى صوره وأشكاله، ظلم الأفراد، وظلم الشعوب، وظلم الولاة وجورهم، وظلم الناس بعضهم لبعض، مما ينافي أعظم مقاصد الشريعة، وما أمر الله به وأمر به رسوله - صلى الله عليه وسلم - من تحقيق العدل ونفي الظلم.

-تحكم الكافرين (من اليهود والنصارى والملحدين والوثنيين) ، في مصالح المسلمين، وتدخلهم في شؤون البلاد الإسلامية، ومصائر شعوبها عبر الاحتلال، والغزو الفكري والإعلامي والاقتصادي، وتحت ستار المصالح المشتركة، أو المنظمات الدولية، ونحو ذلك مما تداعت به الأمم علينا من كل حدب وصوب، بين طامع وكائد وحاسد.

وغير ذلك من صور التحكم في مصائر المسلمين والحجر عليهم؛ مما أدى إلى تذمرهم وشعور طوائف من شبابهم ومثقفيهم وأهل الغيرة منهم بالضيم والإذلال.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت