فهرس الكتاب

الصفحة 14586 من 28557

لا يكون هذا المظاهر كافرًا بصنيعه هذا؟! وهل ينفك علو شأن المشركين من علوٍ لشأن الشرك والكفر، وهل انخفاض أمر المسلمين إلا انخفاض لدين الإسلام في الواقع؟! وكيف يتصور أنه مع هذا الانتصار الظاهر للكفار وهذه العداوة الواضحة لأهل الإيمان -بأن يقف في صف الكفار مقاتلًا للمسلمين- تظل عنده محبةٌ ونصرةٌ باطنةٌ لأهل الإيمان وللإيمان، وهل هذا إلا قول المرجئة الذين يمنعون التلازم بين الظاهر والباطن في مسائل الإيمان، وإذا كان أولئك الفضلاء قد أخرجوا العمل عن أن يكون مكفرًا في مسائل الولاء والبراء وقصروا الأمر على التكفير بالاعتقاد المكفر بناء على هذا التأصيل (أن ما ناقض أصل الولاء والبراء هو المكفر دون ما ناقض كماله، وأن أصل الولاء والبراء راجع إلى اعتقاد القلب وكمال الولاء والبراء في العمل الظاهر، فلا يكون الكفر إلا باعتقاد القلب المناقض لأصل الولاء والبراء دون العمل الظاهر) فكيف يمكنهم الجواب على من ادعى الحجة ذاتها في حقيقة الإيمان والكفر فقال: (أصل الإيمان راجع إلى اعتقاد القلب وكماله في العمل الظاهر، والكفر لا يكون إلا بما يناقض أصل الإيمان دون كماله، وإذا كان محل الأصل القلب فلا يكون الكفر إلا بالقلب دون العمل الظاهر، فلا يكون للعمل تأثير في كفر حتى يكون ناشئًا عن اعتقاد) ، فبناء مثل هذه المسائل على مثل هذه الأصول ليست جارية على أصول أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان قول وعمل، وأنه يزيد وينقص، وأن الظاهر والباطن متلازمان، وأن الكفر يكون بالقول والعمل والاعتقاد، والعجب كله ينهال عليك مرة واحدة حين تسمع فاضلًا من أولئك يقول مقررًا: (مناط التكفير في(الولاء والبراء) هو عمل القلب، فحب الكافر لكفره، أو تمني نصرة دين الكفار على دين المسلمين، هذا هو الكفر في (الولاء والبراء) . أما مجرد النصرة العملية للكفار على المسلمين، فهي وحدها، لا يمكن أن يكفر بها؛ لاحتمال أن صاحبها ما زال يحب دين الإسلام ونصرته، لكن ضعف إيمانه جعله يقدم أمرًا دنيويًا ومصلحة عاجلة على الآخرة. وما دام مناط التكفير في (الولاء والبراء) هو عمل القلب، وعمل القلب لا يعلمه إلا الله، فإنه لا يمكن أن يُكفر بدعوى انعدام هذا المعتقد في القلب. أما إذا صرح الشخص بحبه لدين الكفار، أو بتمنيه نصرة دينهم على دين المسلمين، فتصريحه هذا كفر يكفر به. وإن كان باطنه (مع ذلك) قد يخالف ظاهره، لكننا إنما نحكم بالظاهر، والله تعالى يتولى السرائر)!! فهل مثل هذا الكلام جارٍ حقيقةً على أصول أهل السنة في الإيمان، وأي فرق بين هذا القول وقول المرجئة أن من أهان المصحف أو شتم الرب أو سجد للصليب أنه كافر في الظاهر لكنه قد يكون مؤمنًا في الباطن ناج عند الله!! ورحم الله ابن تيمية حيث قال: (فمن قال بلسانه كلمة الكفر من غير حاجة عامدًا لها عالمًا بأنها كلمة كفر فإنه يكفر بذلك ظاهرًا وباطنا ولا يجوز أن يقال: أنه في الباطن يجوز أن يكون مؤمنًا، ومن قال ذلك فقد مرق من الإسلام) [الصارم المسلول 3/ 975] ، وتحقيق هذه المسائل ودفع إشكالات الخصوم ورد الشبهات، لا يتسع له هذا المقام، وليس محله هاهنا خصوصًا أن بعض أولئك الفضلاء لا يقولون بمثل الأصول المخالفة لطريقة أهل السنة في الإيمان، فلم يعولون إذن على هذه الطريقة في تأصيل مسائل الولاء والبراء، وهل هي طريقة سنية سلفية في إخراج العمل عن حد الكفر في مسائل الولاء والبراء؟! أما من كان مخالفًا لأهل السنة والجماعة في هذه الأصول فالكلام معه في مسألة المظاهرة عديم الجدوى، قليل النفع، ذاهب الأثر، إذ الإشكال عند الخصم في أصل كلي لا في مسألة جزئية، والمخالفة إنما وقعت منه للمخالفة في هذا الأصل والله المستعان.

هذا ما تيسر تسجيله في هذه المسألة، والمقصود إنما هو الإشارة لبعض المعاني المهمة التي رأيت كثيرًا ممن ناقش هذه المسألة قد صدف عنها وأغفلها، أما تحرير الكلام واستيعابه فله مقام غير هذا المقام، منبهًا على أن حصر الكلام في حكم من يقاتل في صفوف الكفار أهلَ الإسلام لا يعني انحصار صورة الكفر في باب الولاء والبراء فيها، لكنها أجلى صورها وأظهرها، ودونها مراتب قد يختلف فيها نظر الناظر، وإنما عمدت إليها دون ما سواها لأن التشاغل بتحرير أحكام هذه المراتب ليس بذي طائل مع من وقع معه الخلاف في أظهر صور المظاهرة وأجلاها، فإن سَلَّمَ المخالف بحكم هذه المسألة أمكن الانتقال لما بعدها، أسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يهدينا للحق ويبصرنا به، اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.

انتهى من تحريره: عبدالله بن صالح العجيري

وذلك في: 26/ 4/1429هـ

ـ [أبو ممدوح] ــــــــ [28 - Jan-2009, مساء 02:03] ـ

بارك الله فيك ماالهدف من الموضوع حتى نفهم الموضوع و لماذا هذا الموضوع بالذات؟

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت