فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
• أحدها: أنه إذا قيل: إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فإن الله خلق آدم على صورة آدم , أولا تقبحوا الوجه , ولا يقل أحدكم قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك ,فإن الله خلق آدم على صورة آدم , كان هذا من أفسد الكلام , فإنه لا يكون بين العلة والحكم مناسبة أصلًا , فإن كون آدم مخلوقًا على صورة آدم , فأي تفسير فسر به فليس في ذلك مناسبة للنهي عن ضرب وجوه بنية , ولا عن تقبيحها وتقبيح ما يشبهها , وإنما دخل التلبيس بهذا التأويل حيث فرق الحديث المروي (إذا قاتل أحدكم فليتق الوجه) مفردًا , وروي قوله (إن الله خلق آدم على صورته) مفردًا , أما مع أداء الحديث على وجهه فإن عود الضمير إلى آدم يمنع فيه , وذلك أن خلق آدم على صورة آدم سواء كان فيه تشريف لآدم أو كان فيه إخبار مجرد بالواقع فلا يناسب هذا الحكم.
• الوجه الثاني: أن الله خلق سائر أعضاء آدم على صورة آدم , فلو كان مانعًا من ضرب الوجه أو تقبيحه لوجب أن يكون مانعًا من ضرب سائر الوجوه وتقبيح سائر الصور , وهذا معلوم الفساد في العقل والدين , وتعليل الحكم الخاص بالعلة المشتركة من أقبح الكلام , وإضافة ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم لا يصدر إلا عن جهل عظيم أو نفاق شديد , إذ لا خلاف في علمه وحكمته وحسن كلامه وبيانه.
• الوجه الثالث: أن هذا تعليل للحكم بما يوجب نفيه , وهذا من أعظم التناقض , وذلك أنهم تأولوا الحديث على أن آدم لم يخلق من نطفة وعلقة ومضغة , وعلى أنه لم يتكون في مدة طويلة بواسطة العناصر , بَنوه قد خلقوا من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة , وخلقوا في مدة عناصر الأرض , فإن كانت العلة المانعة من ضرب الوجه وتقبيحه كونه خلق على ذلك الوجه , وهذه العلة منتفية في بينه , فينبغي أن يجوز ضرب وجوه بنيه وتقبيحها لانتفاء العلة فيها أن آدم هو الذي خلق على صورة دونهم , إذ هم لم يخلقوا كما خلق لآدم على صورهم التي هم عليها بل نقلوا من نطفة إلى علقة إلى مضغة .. إلخ .
والعجب أن ابن حجر في الفتح قال (وزعم بعضهم أن الضمير يعود على آدم , أي على صفته , أي خلقه موصوفًا بالعلم الذي فضل به الحيوان وهذا محتمل) .
قال الشيخ التويجري رحمه الله (وما أبعده من الاحتمال وإنما هو قول باطل مردود بالنص على أن الله خلق آدم على صورة الرحمن) .
قلت: وهو كما قال , إلا أن حديث (على صورة الرحمن) قد تقدم أنه لا يصح.
القول الثالث: أن الضمير يعود على الله جل جلاله.
وقد ذكر الإمام أحمد هذا القول فيما أملاه على بعض أصحابه من أقوال أهل السنة والجماعة , قال القاضي أبو الحسين في طبقات الحنابلة - في ترجمة أبي جعفر محمد بن عوف بن سفيان الطائي الحمصي - (نقلت من خط أحمد الشنجي بإسناده قال: سمعت محمد بن عوف يقول: أملى عليَّ أحمد بن حنبل - فذكر جملة من المسائل التي أملاها عليه مما يعتقده أهل السنة والجماعة , ومنها - وأن آدم صلى الله عليه وسلم خلق على صورة الرحمن كما جاء الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) .
وحكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن جمهور السلف:
وقال ابن جحر (وقال القرطبي: أعاد بعضهم الضمير على الله متمسكًا بما ورد في بعض طرقه(إن الله خلق آدم على صورة الرحمن) .
قلت: هذا الطريق ضعيف , ولكن لا شك أن هذا هو المراد , وهو مذهب أهل السنة والجماعة , أن الله عز وجل خلق آدم على صورته , ولا يلزم من ذلك مماثلة الخالق بالمخلوق , فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.
قال ابن قتيبة رحمه الله (والذي عندي - والله تعالى أعلم - أن الصورة ليست بأعجب من اليدين , والأصابع , والعين , وإنما وقع الإلف لتلك لمجيئها في القرآن , ووقعت الوحشة من هذه لأنها لم تأت في القرآن , ونحن نؤمن بالجميع , ولا نقول في شيء منه بكيفية ولا حد) .
وقد انتصر لهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض التأسيس.
وقد ذهب بعض أهل السنة والجماعة إلى أن إضافة الصورة إلى الله من باب التشريف والتكريم , كقوله تعالى (ناقة الله) وكما يقال في الكعبة بيت الله ونحو ذلك .
إلا أن إجراء النص على ظاهره مع نفي التمثيل أولى , كما هو مذهب جمهور السلف.
المبحث الثالث
في إثبات الصورة لله عز وجل
وردت أحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في إثبات الصورة لله عز وجل أكتفي بذكر حديث واحد مشهور وهو:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أنا ناسًا قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام (هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟) قالوا: لا يا رسول الله! , وفيه (يجمع الله الناس يوم القيامة , فيقول: من كان يعبد شيئًا فليتبعه , فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس , ويتبع من كان يعبد القمر القمر , ويتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت , وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله تبارك وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون , فيقول: أنا ربكم , فيقولون: نعوذ بالله منك , هذا مكاننا يأتينا ربنا , فإذا جاء ربنا عرفناه , فيأتيهم الله تعالى في صورته التي يعرفون , فيقول: أنا ربكم , فيقولون: أنت ربنا , فيتبعونه ... ) .
أخرجه البخاري (6573 , 7437) , ومسلم (182) .
هذا ما أردت بيانه وإيضاحه , والله أسأل أن يرزقنا الاقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم , وأن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه , وأن يرينا الباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه , وإن سميع مجيب.
والحمد لله رب العالمين , وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.