فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وأما من جهة المنهج فيقول لهم أيضا: (إذا صح الحديث فهو مذهبي) ، وينقل لهم قول مالك: (إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه) ، فأنظر أين جعل القداسة، وأين جعل الخطأ؟ وينقل لهم كذلك قول الشافعي: (كل ما قلت؛ فكان عن النبي صلى الله عليه وسلم خلاف قولي مما يصح، فحديث النبي أولى، فلا تقلدوني) .
ويختم لهم بقول أحمد بن حنبل: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الشافعي ولا الأوزاعي ولا الثوري وخذ من حيث أخذوا) . كلهم إذن يرجعون إلى منهج واحد، وكلهم كذلك يقرون بإمكان وقوع الخطأ في تطبيقهم، فتطبيقهم لا يحمل معنى القداسة. فمرجع القضية إذن إلى صحة المنهج، وإن أي بديل منهجي يطرحه الأستاذ أو غيره سوى هذا المنهج سيحمل معه فكرة القداسة. ثمة سؤال يردده الفكر الحداثي - بعد ذلك - حول المنهج الذي يقدمه الخطاب الديني: بأي فهم يمكن أن نفهم الكتاب والسنة في حالة التسليم بهما؟ وهو سؤال يتطلب قدرا أوسع من هذا التعقيب، ولما انحصر الجواب في ذهن أصحاب هذا التساؤل بين القول: بفهمنا نحن: الخطاب الديني، وبين عدم تحديد صاحب الفهم؟ كان البديل المنهجي الذي يطرحه كثير من أصحاب هذا الفكر، هو الخروج من أسوار هذا المنهج إلى بديل آخر يقوم على فكرة (تعدد القراءة) ، وهو بديل منهجي قام على أساس الفلسفة (الهرمنيوطيقية) التي نشأت لإشكاليات معروفة في الفكر الغربي، وستنتهي في نهاية المطاف إلى فوضى النسبية، كما يقول أتباعها: (إن الحداثة تؤدي حتما إلى النسبية الشاملة في مجالات العلوم والفنون والفلسفة والأخلاق، وحتى في مجال العقيدة) .
وبهذه النسبية يحقق الجابري واحدا من أهم أهداف مشروعه وهو: (تحويل العقيدة إلى مجرد رأي) . ويصلوا في النهاية إلى صياغة (إسلام متحرك ومربك يحمل قارئه قسرًا على مغادرة اطمئنانه ويقينه) كما تقول - عن نفسها - المدرسة التونسية التي يشرف عليها عبد المجيد الشرفي. هذه هي الحقيقة النهائية التي تنتهي إليها الأطروحة الحداثية: (مغادرة اليقين) إلى كل من يبحث عنه، وعندما يغادر اليقين، فلن يختار هذا الشباب الضائع ثقافة (التفجير) الآثمة، بل سيتجه نحو ثقافة (الانتحار) اليائسة، وهما طريقان كلاهما يؤدي إلى نفس النتيجة، وهي: إزهاق الأرواح البريئة.
المصدر: