فهرس الكتاب

الصفحة 15174 من 28557

الاستدلال على إثبات الرؤية بسؤال نبي الله موسى - عليه السلام - إياها مبني على أن قول المعتزلة باستحالة الرؤية عقلا يلزم منه تجهيل واحد من الرسل؛ بل من أولي العزم منهم: برَبِّه، والكلام هنا في الاستحالة العقلية، والمستحيل عقلا هو: ما يلزم من فرض وقوعه محالٌ؛ ومن ذلك: إثبات إلهين؛ فإنه يلزم من فرض إثباته اختلال نظام الكون، لكن الكون مستقر مطردة سُنَنُهُ، قارَّةٌ قَوَانِينُهُ؛ فالنتيجة: استحالة وجود إلهينِ؛ وهذا الدليل هو المعروف بدليل التمانع المقرر في القرآن الكريم؛ في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} ، وفي قوله تعالى: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} ، وقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} .

أما استشكال الأخ السائل الكريم عن سؤال أبي الأنبياء إبراهيم؛ ففيه مأخذان:

المأخذ الأول:

توجيه الأخ الكريم لمعنى الآية مدخول؛ من جهة أنه فَهِمَ من الآية أن دعوة أبي الأنبياء إبراهيم عليه السلام - معناها: (( اللَّهُمَّ، لَا تَرْزُقْ مَنْ كَفَرَ ) )؛ فترتب على هذا المعنى هذا الاستشكال؛ بل توجيه الآية أن سيدنا إبراهيم خَصَّ دعاءَهُ بالمؤمنين، وأخرج الكافرين من أهل ذلك البلد المكرَّم - حينذاك - عن أن يدعو لهم بالرزق ورَغَدِ العيش، فجاء الجواب الإلهي على دعواه، أن الكافرين أيضا مرزوقون، إلا أن رزقهم قاصر على المتاع القليل المختص بهذه الحياة الدنيا، ثم مآلهم إلى العذاب الأبديّ، والعقاب السرمديّ؛ يشهد لهذا التوجيه تفسير ابن عباس للآية؛ فقد أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره: 1/ 230 - 231: عن ابن عباس - في تفسير هذه الآية - أنه قال: (( كان إبراهيم يَحْجُرُهَا على المؤمنين؛ فانزل الله: {وَمَنْ كَفَرَ} : أيضا أرزقهم؛ كما أرزق المؤمنين، أخلق خلقا لا أرزقهم؛ أمتعهم قليلا ثم اضطرهم إلى عذاب النار ) ):

وعلى هذا: يكون قوله تعالى: {وَمَنْ كَفَرَ} : مستأنَفًا مقطوعا عما قبله، ويكون خيره وفائدته في قوله تعالى: {فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} : فالمعنى المراد إثباته هو: قلة متاع الكافر القاصر على هذه الحياة الدنيا، لا إثبات الرزق له.

المأخذ الثاني:

على فرض هذا التوجيه من الأخ الكريم لمعنى الآية، فإن هناك فَرْقًا بين سؤال الرؤية، ومنع الكافرين من الرزق، فالأول مستحيل عقلي - على مذهب المعتزلة النفاة للرؤية - والمستحيل العقلي لا يقبل مجرَّدَ تصوُّرِ الوقوعِ؛ كالجمع بين النقيضينِ، اللَّذَيْنِ لا واسطة بينهما؛ كالحركة والسكون، والموت والحياة:

أما خلق الخلق بدون رزق: فليس من المستحيل العقلي؛ الذي يلزم من فرض وقوعه محالٌ؛ بل العقل لا يمنع أن يخلق الله خلقا، ثم يدعَهم بلا رزق، كما لا يمنع أن يخلق الله خلقا غير محتاجين إلى ما يقيم أودَهم؛ كالملائكة؛ بل المانع من ذلك إنما هو سُنَّة الله المطرِدة التي اقتضت أن يكون غيرُهُ مفتقِرًا إليه، تلك السُّنَّةُ الإلهيَّةُ التي هي مظهرٌ من مظاهر تَجَلِّي صفةِ الغِنَى؛ أخصِّ أوصاف الله عز وجل، في مقابلة صفة العجز والافتقار؛ أخصِّ أوصاف ما سوى الله تبارك وتعالى.

ـ [خالد المرسى] ــــــــ [13 - Feb-2009, مساء 05:50] ـ

جزاكم الله خيرا على تلك الفوائد

المعروف بدليل التمانع المقرر في القرآن الكريم؛ في قوله تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ}

لى سؤال هنا هو ان في ايسر التفاسير قال مثل ما قلت اذا فلماذا ابطل ذلك بن ابى العز وعلل بطلانه بأن المخالف قال ذلك لعدم فصله بين توحيد الربوبية والالوهية؟

ـ [أبو بكر العروي] ــــــــ [13 - Feb-2009, مساء 09:26] ـ

بارك الله فيك أخي المكرم ونفع بك،

قلت حفظك الله:"أيها الأخ الحبيب:"

الاستدلال على إثبات الرؤية بسؤال نبي الله موسى - عليه السلام - إياها مبني على أن قول المعتزلة باستحالة الرؤية عقلا يلزم منه تجهيل واحد من الرسل؛ بل من أولي العزم منهم: برَبِّه، والكلام هنا في الاستحالة العقلية، والمستحيل عقلا هو: ما يلزم من فرض وقوعه محالٌ؛""

ولا أعرف كيف استنبطت أخي الفاضل من كلامي أني أبني استدلالي على كلام المعتزلة. فأنا ذكرت أن رؤية الباري ليست ممنوعة عقلًا في الدنيا ولذلك سألها موسى ربه. فلما ورد الشرع بمنعها تركها عليه السلام. فأين يقع الإلزام الذي أشرت إليه والذي فيه تجهيل لنبي الله موسى بربه؟ نعوذ بالله من أن نقول على رسل الله شططًا.

فكلامي أخي الفاضل عكس كلام المعتزلة تمامًا الذين ينفون الرؤية عقلًا في الدنيا وفي الآخرة. وشبه القوم معروفة وقد رد عليها جهابذة أهل السنة وبعض فضلاء الأشاعرة كالقاضي أبي بكر وغيره.

وقد استأذن رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ربه جل وعلا في أن يستغفر لأمه فلم يؤذن له. فنحن نقول إن نبينا عليه الصلاة والسلام طلب أمرًا غير مستحيل عقلًا وما ينبغي أن يُظن برسول الله إلا هذا.

نعم، قد يكون في قولي"القاعدة الكلامية"بعض غموض جعلك تستنبط ما ذكرتَ وأنا أعتب على نفسي التقصير في الإيضاح، والله المستعان.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت