فهرس الكتاب

الصفحة 15395 من 28557

وقولي أن التقديم يلزم منه التفضيل إنما أريد به ما فهمته من كلام ابن كثير هنا .. وإلا فصحيح أنه قد يكون التقديم مع اعتقاد حرمة ذلك واعتقاد أنه يأثم به، كمن يختار الفعل الحرام إذا خير بينه وبين الحلال وهو يعلم أنه يفعل الحرام وأنه آثم بذلك .. فلا يكون هذا الاختيار والتقديم استحلالا، هذا أتفق عليه معك ..

دعني أحرر الكلام بعض الشيء .. فالمسألة دقيقة ولا يجوز فيها سوء التحرير ..

وبداية فالذي يظهر لي أننا نتفق على أن الوقوع في هذا الفعل، فعل الحكم بغير حكم الله، لا يلزم منه الاستحلال ومن ثم لا يلزم منه الكفر! وهذا أظننا نتفق على أنه مذهب ابن كثير أيضا، رحمه الله ..

فعندما يخرج منه رحمه الله هذا الكلام:

فمن ترك الشرع المحكم المنزل على محمد بن عبدالله، خاتم الأنبياء، وتحاكم إلى غيره من الشرائع المنسوخة كفر، فكيف بمن تحاكم إلى الياسا وقدمها عليه؟ من فعل ذلك كفر بإجماع المسلمين

فكيف نوجهه توجيها صحيحا؟ هل كلمة (تحاكم) هذه على إطلاقها، بحيث تدخل فيها سائر حالات التحاكم وصوره بلا تفصيل؟ فإن كانت تحتمل، فكذا قوله رحمه الله (ترك) و (قدمها عليه) يحتمل! فهو يحتمل أن يكون مراده بالترك والتقديم ما يقع على علم واستحلال، ويحتمل ألا يكون كذلك ..

فهو يقرر أن من فعل ذلك الفعل فقد كفر .. فإن قلت أن ابن كثير رحمه الله لا يشترط الاستحلال لكفر من فعل هذا الفعل (مطلق التحاكم للياسا) ، وأن هذا يدل عليه عدم ذكره للاعتقاد في هذه العبارة، فقد ألبسته رحمه الله إطلاقا لا يقول به! فماذا نفهم إذا؟

قد يكون التارك للشرع المقدم للحكم الوضعي هذا عاصيا، مع علمه بأن هذا لا يحل، أو مع جهله أصلا بأن هذا الذي قدمه قانون وضعي والذي تركه هو حكم الله!! فهل يكون مجرد فعله كفرا ولكنه لا يكفر به لوجود عوارض الأهلية؟ كلا! وإلا لقلنا أن كل تارك لأمر من أوامر الله، متبعا لأمر غيره سبحانه = قد وقع في فعل الكفر ولكنه لا يُكفر حتى تقام عليه الحجة!!

وهذا تحريره أن نتفق على أن كل معصية - فيما عدا ما اتفق على أنه كفر ناقل من الملة - هي من أفعال الكفر الأصغر لا الأكبر، ما لم يقع في القلب استحلال لها ..

فإذا اتفقنا على هذا، وكان تحكيم الياسا من الأفعال التي يحتمل أن تكون معصية ويحتمل أن تكون كفرا أكبر، وجب إذا سبر وتقسيم تلك الأحوال وبيان مناط التكفير فيها حتى نتصور على أيها يحسن توجيه كلام ابن كثير على وفق ما يقول به أهل السنة ..

فقد يكون الفعل:

/// تشريعا يحدثه ولي الأمر ابتداءا، يضعه في مكان حكم الله فيجعله سنة متبعة من حيث الأصل .. فهذا الفعل كفر أكبر، وفاعله قد يكون جاهلا أو متأولا، فلا يٌكفر حتى تقام عليه الحجة، كما هي ضوابط تكفير المعين عند أهل السنة ..

/// تشريعا متبعا في بلد من البلدان، والمحتكم إليه في آحاد من الحالات أو في كل أحواله يعلم أنه خلاف شرع الله، فإن كان راضيا بذلك مفضلا له على حكم الله، أو مساويا له بحكم الله، فقد كفر بذلك (وهو الاستحلال) وإلا فهو عاص آثم.

/// فعلا مستقلا عن القوانين المشروعة في بلد من البلدان، يفعله الناس فيما بينهم، يخالفون به شرع الله، فإن استحلوه كفروا وإلا فعصيان!

ولا أتصور أنه قد توجد صورة رابعة ..

فإن أردنا توجيه كلام ابن كثير رحمه الله هنا، ووجدناه لا يذكر الاستحلال ولا الاعتقاد، توجه بنا الفهم إلى الحالة الأولى، التي يكون فيها فعل الترك والتقديم كفرا أكبر، وهي حالة السن والتشريع ..

فإن أردت أن الفعل في نفسه كفر، أقررت لك بذلك، وهو ما أجمع عليه السلف، ولكن هل يكفر به فاعله أم لا، فهذا مآله إلى النظر في تحقق الشروط وانتفاء الموانع ..

والذي ظهر لي من لفظه رحمه الله، سيما أنه يتكلم عن الياسا والتي كانت في زمانه شرعة جديدة مستحدثة وضعها واضعوها وفرضوها على المسلمين، وكان هؤلاء الواضعون هم أولو السلطان عليه في زمانه رحمه الله، أنه يقصد بالتقديم هنا ما يلزم منه وجود الاستحلال القلبي، فهو يتكلم عن قوم أسقطوا شرع الله ووضعوا هذا القانون الدنس في مكانه وهم يعلمون، وهم مستحلون .. ولهذا لم يجد حاجة للتفريق بين كفر الفعل وكفر الفاعل أو لبيان مسألة الاعتقاد والاستحلال ونحو ذلك ..

وإلا فمن الممكن حمل الكلام على العموم وعلى أنه إنما يتكلم عن الفعل فقط، فعل تشريع قانون مناقض لحكم الله، وهو ما قد يكون فيه استحلال وقد لا يكون، وهو ما أجمع السلف على أنه فعل كفري، ولكن الأول عندي أظهر، والله أعلم.

فهؤلاء الذين حكموا بالعادات الجاهلية وبالياسق جعلوا هذه الأحكام هي الأصل المتبع والمردود إليه الأمر عند النزاع، فعندها يكونون كفارًا بإبطلاهم لأصل العمل بشريعة الله تعالى. ولا ضير حينها أن نقول: إن إبطال أصل الحكم هو دليل على الاستحلال .. لأن الكفر العملي الأكبر يستلزم كفرًا في القلب ولا بد.

قلت إذا فلا خلاف بيننا أخي الفاضل ولله الحمد!

وأستأذنك - وفقك الله - في إغلاق الموضوع لأن الإشراف قد اتفقت كلمته على منع الخوض في هذه القضية (قضية الحكم بالقوانين الوضعية) على صفحات المجلس ..

والله الموفق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت