ثُمَّ دخلَ عالمَ التصنيفِ، وكانَ مُبتدأُ أمرهِ تلخيصَ الكُتبِ واختصارها، فاختصرَ منها جملةً ككتابِ"المثلِ السائرِ"و"ديوانِ المعاني"واختارَ نُخبةً من أخبارِ"الأغاني"وغيرِها، حتّى انتهى إلى التأليفِ والتصنيفِ الخاصِّ بهِ.
وكانَ من أمرهِ أنْ سوّدَ - سوّدَ اللهُ وجههُ وقد فعلَ - مجموعةً من الصفحاتِ بكتابٍ غايةٍ في السوءِ والغلِّ، ألا وهو كتابهُ"أضواءٌ على السنّةِ المُحمّديّةِ"، هاجمَ فيهِ السنّةَ النبويّةَ، وخلصَ إلى أنّها غيرُ ملزمةٍ لأحدٍ في العملِ بها، وتطاولَ كذلكَ على الصحابةِ الكِرامِ، وخصَّ من كتابهِ جزءً كبيرًا في الهجومِ على الصحابيِّ الفقيهِ الإمامِ الربّانيِّ: أبي هريرةَ - رضيَ اللهُ عنهُ -، وكتبَ فيهِ ما لم يكتبهُ كثيرٌ من علوجِ المُستشرقينَ ولا ضُلاّلِ الروافضِ من الهجومِ على الصحابةِ، ولم يبقَ وصفٌ من صفاتِ السوءِ والدناءةِ إلا حطّهُ على أبي هريرةَ - رضيَ اللهُ عنهُ -، وكانَ من جملتها اتهامهُ بالكذبِ صراحةً، وبوضعِ الحديثِ واختلاقهِ.
وقد استقى كتابهُ السالفَ من مجموعةٍ من المراجعِ، وكانَ على رأسِها كتابٌ لأحدِ علماءِ الرافضةِ، وهو الشيخُ: عبدُ الحسينِ شرفُ الدّينِ، وكتابهُ هو"أبو هريرةَ"، وفي هذا الكتابِ خلصَ المؤلّفُ الرافضيِّ - عاملهُ اللهُ بما يستحقُّ - إلى أنَّ أبا هريرةَ - رضيَ اللهُ عنهُ - كانَ منافقًا كافرًا!، ألا لعنةُ اللهِ على الظالمينَ.
وأمّا الفيصلُ الذي كانَ يُحاكمُ السنّةَ الصحيحةَ إليهِ في كتابهِ، فهو العقلُ، فالعقلُ - كما زعمَ - هو الحاكمُ والميزانُ العدلُ في نقدِ السنّةِ، وبيانِ صحيحِها من سقيمِها.
وقد أحسنَ العلاّمةُ الشيخُ: مُصطفى السباعيُّ - برّدَ اللهُ مضجعهُ - في وصفِ أبي ريّةَ وكِتابهِ هذا، عندما قالَ:"هذا هو أبو ريّةَ على حقيقتهِ، جاهلٌ يبتغي الشُهرةَ في أوساطِ العلماءِ، وفاجرٌ يبتغى الشهرةَ بإثارةِ أهلِ الخيرِ، ولعمري إنَّ أشقى النّاسِ من ابتغى الشهرةَ عندَ المنحرفينَ والموتورينَ بلعنةِ اللهِ والملائكةِ والنّاسِ أجمعينَ".
إنَّ من أعجبَ العجبِ أن يشتهرَ كتابُ أبي ريّةَ، فيصلَ إلى جميعِ جامعاتِ أوروبّا وأمريكا، وتنتهي طبعتهُ الأولى ثُمَّ الثانيةِ في فترةٍ وجيزةٍ جدًّا، ثُمَّ يموتُ الرّجلُ، ولا تجدُ لهُ ترجمةً واحدةً ولو يسيرةً في كتبِ التراجمِ!، وقد نقّبتُ فيها، وبحثتُ واستعنتُ بأهلِ الخبرةِ والبحثِ، فلم أقفْ لهُ على أثرٍ في كتبِ التراجمِ مُطلقًا، فانظرْ كيفَ عاملهُ اللهُ بنقيضِ قصدهِ!، وأخملَ ذكرهُ بعدَ إمعانهِ في طلبِ الشّهرةِ والبحثِ عن المنزلةِ والمكانةِ!.
ولم يكتفِ بهذا الكتابِ فقط، بل زادَ إلى كنانتهِ سهمًا آخرَ من سِهامِ الجهلِ والضلالِ، عبرَ كِتابهِ"دينُ اللهِ واحدٌ"، والذي خلصَ فيهِ إلى دخولِ اليهودِ والنّصارى للجنّةِ مع المُسلمينَ، وأنَّ الإيمانَ باللهِ تعالى ووجودهِ - وحسب - كافٍ في النّجاةِ من النّارِ والدخولِ إلى الجنّةِ.
كلُّ ذلكَ لم يُغنِ عنهُ شيئًا!، بل كانَ عليهِ وبالًا وسوءًا، ووقعتِ الواقعةُ التي فضحتْ قصدهُ وكشفتْ خبيئهُ.
إنّها لحظةُ الموتِ وسكراتِهِ، حيثُ لا يخفى شيءٌ من الحالِ، وصدقَ الإمامُ أحمدُ - أعلى اللهُ درجتهُ في الجنّةِ:"قولوا لأهلِ البدعِ بيننا وبينكم الجنائزُ".
فكانتْ هذه خاتمتهُ ونهايةَ أمرهِ في الدّنيا:
سمعتُ من شيخي العلاّمةِ: مُحمّدِ بنِ مُحمّدٍ المُختارِ الشنقيطيِّ - متّعهُ اللهُ بالعافيةِ - في مجالسَ مُتعدّدةٍ، أنَّ أبا ريّةَ عندما كانَ في وقتِ النزعِ الأخيرِ، وساعةِ الاحتضارِ، حضرهُ نفرٌ من النّاسِ، ورأوهُ وقد اسودَّ وجههُ - والعياذُ باللهِ - وكان يصرخُ مرعوبًا فزِعًا بصوتٍ عالٍ، وهو يقولُ: آه!، آه!، أبا هريرةَ أبا هريرةَ، حتّى ماتَ على تلكَ الحالِ.
اللهمَّ إنّا نعوذُ بكَ من الخذلانِ والضلالِ.
إنَّ اللهَ ليغارُ على أوليائهِ.
(يُتْبَعُ)