فهرس الكتاب

الصفحة 15485 من 28557

وعودًا إلى جواب السؤال ذاته، يمكن القول: إنَّ من وصفتموهم بـ (الشرذمة) ، ستحاول - خاسرة بإذن الله - المضي إلى حيث تتحقق غايات أصحاب الأجندة الأصليين، وأعني بهم ظلمة الإفرنج الذين يكيدون لنا {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلاَلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ} ، ويحاول هؤلاء أن يصفوا هذه الحقيقة القرآنية بما يشوهها، كقولهم: نظرية المؤامرة! أو عقدة المؤامرة! مع أنَّ الآية الكريمة، لم تدع فرصة للمعتذرين عن الأعداء ولا للمخدوعين بهم {وَاللّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ} .. و هذا العلم قد انكشفت حقيقته بالوقوع في الماضي والحاضر، فقد تبيّن للأمة أن منكري تآمر الأعداء، هم من ضحايا هذا التآمر، وممن من وقع في نطاق {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} على أقل تقدير.

وهناك من يريد المضي في اتجاهٍ يوصله إلى فكرة الإفادة الوصولية من الخيانة التي أشار الله تعالى إليها في قوله: {وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ} .

وأما الغايات التي يطمح إليها أصحاب الأجندة الأصلية، فهي التي نجدها في مثل قوله تعالى: {وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} ، و {وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء} ، وجاء الحل موصولا بالمشكلة: {فَلاَ تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء} .

وأما خسارتهم فلا ريب فيها، وإن استمتعوا زمنًا بأماني النصر المتوهمة أو احتفاءات الاستقطاب الأجنبية الآنية المفخّمة، فالتاريخ يثبت أن هؤلاء المنتقدين للثوابت، المحتقرين لأهل الشرع أشبه بأطباقِ وجبات سريعة، ما إن تُستهلك حتى ترمى، مع اهتمام الأكلة بالنظافة، لمنع تسرب بقايا الطعام، التي ربما تحمل سرّ الطبخة للآخرين مجانا أو بمقابل.

وأتوقع أن يأتي اليوم الذي يتبرأ منه عدد من هؤلاء من هذا الطيش، ولا سيما ذوي الاتجاه الوطني الصادق والقومي الحرّ .. وقد بدأت بوادر ذلك بينهم بنقد بعض هؤلاء للقومية و للعروبة مثلا، وهي مما لا يقبل المساومة عند أحرارهم!!

لا أحد فوق النقد? .. شعار مرفوع (وهو في أصله مشروع) يسير تحته أولئك سيرا حثيثا نحو تحطيم الرموز العلمية والتأسيس لدين عصري جديد .. ما هي المحددات الشرعية لمفهوم النقد؟

هذا موضوع يطول الحديث فيه، ولولا أنه روِّج إعلاميًا بطريقة خاطئة، لتجاوزت الحديث عنه في مثل هذا اللقاء، وعلى كلّ حال، فيمكن إيجاز المحدِّدات الشرعية لمفهوم النقد في مدلول (النصيحة) التي وُصف بها الدين شرعًا: (الدين النصيحة) ؛ وهي واجب العالم بحكم ما ينقد لا المتعالم، الصادق في نصحه لا المتربص المتنقِّص للمؤمنين، المعروف بالديانة لا المتهم في الدين. ويمكن إيجاز صفات الشخصية الناصحة - إذا ما تحقق شرط العلم - في استبعاد وصفين أرشدنا الله تعالى إلى الحذر من أهلهما في خطاب جاء موجها لنبينا صلى الله عليه وسلم، ليكون إرشادا لنا من باب أولى: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ} .. ولو عدنا لمصطلح اللبرالية لوجدناه مناقضا لمدلول الدين، فكيف بمدلول النصيحة التي يتفرع عنها!! ولو كنّا أمام منظِّرين ليبراليين لأمكننا نقض فكرهم من وجهة نظر شرعية ببحث الفروق بين النصيحة في الإسلام والمعارضة في غيره ..

وأمَّا مسألة تحطيم الرموز العلميّة فتلك أجندة المنافقين في غزوة تبوك، إذ وصفوا الصحابة الكرام الذين رضي الله عنهم بأوصاف كاذبة خاطئة، يشهد واقع الزمان والمكان والمهمّة التي كانوا فيها مع النبي صلى الله عليه وسلم، بكذب من أطلقها.

وأما التأسيس لدين عصري جديد، فتلك حيلة أصحاب الأجندة الأصليين التي يكشفها المتآمرون من الغربيين بين الحين والحين كما في تقرير راند 2002م، وربما وقع في تنفيذها مخدوع أو مأجور. وقد وصف التقرير من ينفِّذ مهامه بالشركاء، كما توصف الخمرة بالمشروب الروحي والربا بالفائدة ولو كان ربا الجاهلي.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت