فهرس الكتاب

الصفحة 15499 من 28557

لقد كان لابد من رد الدنيا ردا جميلا لكتاب الله ولسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهذا هو الضابط والميزان للأقوال والأفعال، به توزن حركة المجتمع وتضبط به القلة والكثرة، والحاكم والمحكوم، وتنصبغ به السياسة والاقتصاد، والاجتماع والأخلاق، والمسجد والسوق، والحرب والسلم، قال -تعالى-: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) (النساء:65) ، فلا يجوز تحكيم العرف ولا العادة، ولا البيئة ولا النشأة، ولا مجاراة حركة المجتمع، أو موافقة طوفان وموجة تتصادم مع الكتاب والسنة، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء:59) .

إن المجتمعات قد تكون إسلامية وقد تكون جاهلية، هذه تتحاكم بشرع الله، وتلك تتحاكم بأحكام الطاغوت، والرايات المرفوعة قد تكون بارة أو فاجرة أو كافرة، نسمع عن نظم إسلامية أو رأسمالية، وأخرى اشتراكية وشيوعية، وقد تنقلب الدار من دار إسلام إلى دار حرب وكفر، وبعضها قد يسمح بظهور بعض الشرائع أو الشعائر، وأخرى تعلق على المشنقة من قال:"ربي الله".

ومن هنا جرت سنن التدافع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والسنة والبدعة (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ) (البقرة:251) .

والمتتبع لمنهج الأنبياء والمرسلين سيجد أنهم صدعوا بكلمة الحق في مواجهة أممهم، وقاموا بتعبيد الدنيا بدين الله فما غيروا ولا بدلوا ولا داهنوا على حساب الحق، وما التفتوا لكثرة زائفة ولا مالئوا أو وافقوا حركة مجتمع كافر، فهذا نبي الله نوح -عليه السلام- لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما يدعوهم بالليل والنهار، سرا وعلانية، يدخل لهم في بيوتهم فيؤذونه حتى يُغمى عليه، فإذا أفاق قال: (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (الأعراف:59) ، وفي النهاية ما آمن معه إلا قليل.

وهذا نبي الله إبراهيم -عليه السلام- يدعو أباه الذي يصنع الأصنام ويعبدها من دون الله، ويناظر"النمرود"ويواجه قومه.

حاولوا قتل نبي الله عيسى -عليه السلام- رغم أنه أثر عنه:"من ضربك على خدك الأيمن أدر له خدك الأيسر".

وقال الشاذون -قوم لوط-: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ) (النمل:56) ، وأوذي النبي -صلى الله عليه وسلم- وما أوذي أحد؛ حتى أغمي عليه، وكسرت رباعيته، وجرح وجهه الشريف -صلوات الله وسلامه عليه-، قال -تعالى-: (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (يّس:30) ، وقال -تعالى-: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ) (الزخرف:7) ، وقال: (مَا يُقَالُ لَكَ إِلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) (فصلت:43) .

وما قيل للرسل هو الباطل، ومن تتبع سير أتباع الرسل علم ما لاقوه في مواجهة أممهم، والجهرِ بكلمة الحق، وتعبيد الدنيا بدين الله.

تطالع ذلك في قصة"صاحب يس"، و"مؤمن آل فرعون"، و"أصحاب الكهف"، وعبد الله الغلام المذكور في قصة أصحاب الأخدود.

صدع أبو ذر -رضي الله عنه- في المشركين بكلمة الشهادة، وتلا ابن مسعود -رضي الله عنه- على مسامعهم آيات من كتاب الله فانهال المشركون عليهما ضربا.

وكان أويس القرني -رضي الله عنه- سيد من سادات التابعين يقول:"نأمرهم بالمعروف وننهاهم عن المنكر فيشتموا آباءنا ويسبوا أعراضنا! فوالله لا ندعهم حتى نقوم بحق الله فيهم".

قد يُسمح للباطل أن يروج وللكفر أن ينتشر، وتُعطى الحرية للخلاعة والفسق والفجور!! أما أن يقول العبد:"ربي الله"فحينئذ تقوم الدنيا ولا تقعد (وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) (البروج:8) .

والطغاة والطواغيت قد لا يميزون في جبروتهم بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة، فقد قتل طاغية الأخدود المرأة وابنها، وصرع عبد الله الغلام، وقال أصحاب الكهف عن قومهم: (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) (الكهف:20) ، فالاستكراه لم يكن رخصة إلا لهذه الأمة، وفي الحديث: (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه، وصححه الألباني.

لا بأس بمراعاة العرف ما لم يصطدم بالشرع؛ إذ إخراج الناس عن أعرافها فيه حرج ومشقة منتفية شرعا، ولا مانع من مصادمة حركة المجتمع ومخالفة الأكثرية وفق الضوابط الشرعية، ومع مراعاة قواعد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحيث تتحقق المصلحة وتندفع المضرة والمفسدة، مستصحبين في ذلك منهج الأنبياء والمرسلين (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ) (الأنعام:90) .

وبحيث نكون في هذا وغيره على مثل ما كان عليه النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة الكرام، وأن نعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا يصلح عمل المفسدين، وأن العاقبة للمتقين، قال -تعالى-: (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ) (غافر:51) ، وقال: (كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:21) ، وقال: (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ) (الحج:41) .

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

موقع صوت السلف ( http://www.salafvoice.com/)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت