فهرس الكتاب

الصفحة 15747 من 28557

الفاني. وحين تُترك بعض المواضع الملتهبة التي يكون في دخولها وتجليتها الأثر الكبير في إصلاح أحوال الأمة لا يتركها لأمر إلا لأن السلامة (الشخصية) عنده لا يعدلها شيء، وإذا رأى في الطريق شهيدا للحق ملقى على قارعته مضرجا بدمائه قال:"لو أطاعونا ما ماتوا وما قتلوا"، وإنما فرح بلعاعة من الدنيا استبقاها:"أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون". ولم يقل أقل ما يمكن من النصرة: (أما هذا فقد قضى ما عليه) . وحين يتمسك بالرأي وإن ظهر الحق في خلافه، أو يدع مراجعة أدلته خوفا من الوصول إلى نتيجة ذات شوكة .. هذا كله تقديمٌ لمحبوبات النفس على محبوب الله، وهو خوفٌ من جماهير معها حراب تلكز بها كل من راجع قوله عبودية لله حتى يعود إلى ما ألفته. وحين يتحول بعضنا عن قول وإن كان القول المتروك أرجح دليلا وتعليلا من القول الجديد ما تحول إلا طربا لصوت مادح أو أُنْسا بقرع نعل في الأعقاب، أو ميلا إلى شهرة زائلة فقد فُتن. ولهذا تكون الفتنة في البقاء على القول كما تكون في التحول عنه ولا فرق. ولكن ربما كانت الفتنة في الأول أعظم؛ لكونها خفية؛ حيث إن صاحبها في سكون لا تظهر له حركة، ولا يُدرى عن تغيره؛ ولأن فتنته في الترك لا في الفعل، أما الثاني ففتنته حركة وتغيير؛ فتكون تحت رقابة الحواس الخمس؛ فحينئذ يسمع منتقدا ويحس مستدركا ويرى ناصحا؛ فإن كان مخطئا فربما انتفع به بخلاف الثاني. وحين يميل المرء إلى رابطة ترابية من وطن أو قرابة أو قبيلة أو عرق أو إقليم أو حزب؛ فيكون رضاه وسخطه وحبه وكرهه ونصحه وحدبه ومدحه وقدحه إنما يدور على هذه الرابطة، أو أن يكون لها مساحة مؤثرة في جوارحه لاسيما عند المشاحة والتعارض فهي بداية انحراف؛ لأن الدين عنده ليس لله وحده، وإنما كله أو بعضه لمعنى ترابي وضيع، ويزداد سقوطا إذا اعتذر عن ذلك بأنه يرى الآخرين يتمسكون بترابيتهم. قال الله تعالى:"قل إن كان أباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين". فإن قدمت هذه المحبوبات تأخر النصر ودامت الذلة: قال الله تعالى:"وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ"اللهم اهد قلوبنا إلى مرضاتك واختم لنا بجناتك.

المصدر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت