فهرس الكتاب

الصفحة 15794 من 28557

والآيات في هذا المعنى كثيرة …

هذا وقد ذكر العلامة ابن القيم في كتابه (طريق الهجرتين) في سياق ذكره لمراتب المكلفين (الطبقة السابعة عشر) وهم: (طبقة المقلدين وجهال الكفرة وأتباعهم وحميرهم الذين معهم تبعا لهم يقولون: إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على أسوة بهم …….)

قال: (وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة، وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:(إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة) ، وهذا المقلد ليس بمسلم، وهو عاقل مكلف، والعاقل المكلف، لا يخرج عن الإسلام أو الكفر … .. ) إلى قوله:(والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم، وإن لم يكن كافرا معاندا فهو كافر جاهل.

فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا …)

ثم ساق الآيات التي تذكر عذاب المقلدين المتابعين غيرهم على الكفر .. وأن التابع والمتبوع في النار جميعا .. نحو قوله تعالى: (( وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار، قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد ) )... ثم قال: (فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين، اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا، وأصرح من هذا قوله تعالى:(( إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرؤوا منا ) )سورة البقرة: 166 - 167] …) إهـ.

ولذلك نقول أن وجود المضلين الذين يلبسون على الناس أمر دينهم ليس بمانع معتبر في لحوق حكم الوعيد بهم .. والله أعلم.

وحتى تعم الفائدة أقول: أن مذهب أهل السنة والجماعة أنهم لا يشهدون لمعين بالجنة أو النار إلا ما دل عليه الدليل الخاص، وأما عموم الخلق مما لم يشهد النص على أعيانهم فنقول فيهم: أن من مات على الإسلام فهو من أهل الجنة مستقرًا، ومن مات على غير الإسلام فهو في النار تخليدًا. هذا على وجه العموم.

ومن سعة رحمة الله بخلقه أنه لا يعذبهم إلا بعد الإنذار إليه كما قال تعالى: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولًا) .. فلا يُعذب في جهنم إلا من قامت عليه الحجة وانتفت عنه المعذرة .. هذا على وجه العموم ولا ندخل فيما بين الله وخلقه.

فهذا النصراني الأمريكي لا شك أنه قد مات على غير ملة الإسلام تجري عليه أحكام الكفار فلا يُورث ولا يُغسل ولا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين .. وكفى.

وقد وجدت هذا النص من الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة) يذهب فيه إلى القول بأعذار بعض أجناس الكفار من اليهود والنصارى، وإن كان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالته (بغية المرتاد في الرد على المتفلسفة والقرامطة) لم يوافق الغزالي على كل ما قاله في كتابه (فيصل التفرقة) ولكن سوف أنقل كلام الغزالي رحمه الله من باب الفائدة

يقول الإمام أبو حامد الغزالي رحمه الله بعد كلام له: (( ... فهذا وأمثاله من الأخبار الدالة على سعة رحمة الله تعالى كثير، فهذا في أُمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، وأنا أقول: أن الرحمة تشتمل كثيرًا من الأمم السالفة وإن كان أكثرهم يعرضون على النار، بل أقول: إن أكثر نصارى الروم والترك في هذا الزمان تشملهم الرحمة إن شاء الله تعالى.

أعني الذين هم في أقاصي الروم والترك ولم تبلغهم الدعوة، فإنهم ثلاثة أصناف:

صنف لم يبلغهم اسم محمد صلى الله عليه وسلم أصلًا فهم معذرون.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت