فهرس الكتاب

الصفحة 16169 من 28557

كان بلاءُ هذا الرجل محصورًا في محيط،ومقصورا على قطر، وكان إخواننا في المغرب يعالجون منه الداء العضال: وكنّا نعدُّ أنفسنا آثمين في السُّكوت عنه، وفي القعود عن نصرة إخواننا في دفع هذا البلاء الأزرق؛ فلمّا تَنَبَّهَت عقولهم لكيده، وتفَتَّحَتْ عيونهم لمكره، وتَهاوتْ عليه كواكب الرَّجْمِ من كل جانب،فَبَطَلَ سِحْرُهُ، وقَصُرَتْ رُقَاهُ عن الاستنزال، وضلَّ سَعْيُهُ،وقَلَّ رَعْيُهُ-انقلب استعمارًا محضًا قائمًا بذاته، وهاج حقده على الأحرار والسلفيين فترصَّدَ أذاهم في الأنفس والأموال والمصالح،وأصبح كالعقرب، لا تلدغ إلا من تحرَّك ...

.... إن الخطايا قد تحيط بصاحبها فيقتل نفسه مثلا، ولكن ما صدّقنا أن الحال ينتهي به إلى قتل أمَّة إلاّ هذه المرّة؛ وإن الزلل ليرسخ إلى أن يصير خُلُقًا وعادة، ولكن ما عهدنا أنه يفضي بصاحبه إلى هذه الدركة التي لا تُبْلَغُ إلا بخذلان من الله، وما كنّا نتصوّرُ أنَّ شرَّ شرّير يتَّضعُ قدره إلى هذا الحد، أو يتسع صدره لحمل هذا الوسام؛ وسبحان من يزيد في الخلق ما يشاء.

وكأنَّ الرَّجُلَ أخذ فيما أخذ عن الاستعمار طريقة التوسع،وكأنَّه أصغَرَ المغربَ-على سَعَته-أن يكون مجالا لألاعيبه و مكايده، فجاوز في هذه المرة الحدود، وتخطّى الأخدود، واندفع إلى الجزائر و تونس ليبث فيهما سمومه، ويتخذ منهما ملعبا جديدا لروايته التي منها مؤتمر الزوايا بالجزائر، وليقوم للحكومة بما عجزت عنه من استئلاف النافر،واستنزال العاقّ،وليوحِّد بين الأقطار الثلاثة ولكن بالتفريق، وليُنقِذَها من البحر ولكن بالتغريق.

كان عبدُ الحيّ فيما مضى يزور هذا الوطن داعيا لنفسه أو مدعوًّا من أصدقائه، وهم طائفة مخصوصة، فَكُنَّا نولِّيهِ ما تولَّى.ولا نأبه به؛ وكانت تبلغنا عنه هنَات كاختصاصه بالجهال وهو عالم، وانتصاره للطرقية وهو محدّث؛إلى هنات كلها تمس شرف العلم وكرامة العالم، فكلنا نُحَمّلُهُ ما تحمَّلَ ولا نبالي به؛ وكان يزور لماما، ويقيم أياما، ولكنه-في هذه المرة- جاء ليتمّم خِطَّة، ودخل الباب ولم يقل حِطَّة؛ وصاغ في الجزائر حلقات من تلك السّلسلة التي بدأ صنعَها في المغرب؛ ودلَّتْنا على ذلك شواهد الأفعال والأقوال والملابسات والظروف؛ ثم زار تونس ليؤلّف فيها (تكميل التقييد) ( ... ) وكأنه يتحدى بهذه الرّحلة الطويلة رحلةَ أبي الحسن المريني (وهو أنبه ملك في الدولة المرينية، بلغت فتوحاته إلى حدود ليبيا، وانتظم المغارب الثلاثة،وفي غزاته لتونس بنفسه كان المؤرخ ابن خلدون قد ختم بها حياته العلمية وكان بدءاتصاله بالملوك والدول) ...

وشتان بين الرحلتين.تلك كانت لتوسيع المماليك؛ وهذه كانت لتوزيع المهالك؛ ويا ويحَ الجزائر المسكينة، كأن لم تكفها الفتن المتماحلة حتى تُزاد عليها فتنة اسمها (مؤتمر الزوايا) ، ولم تَكْفِها النَّكَبَاتُ المتوالية حتى تضاف إليها نكبة اسمها (عبد الحي) .

إن في رحلة عبد الحي هذه لآيات؛منها أن الحكومة أحستْ بإعراض من رجال الزّوايا،وانصراف عما تريده منهم بطرقها القديمة، فأرادت أن تؤيِّدَ قُوَّةَ القهر بقوّة السحر؛ فكان عبد الحي الساحر العليم؛ وآية ذلك أنه زار كلَّ واحد من مشايخ الطرق في داره،وأقام عنده الليالي والأيام، ونعتقد أنه تعب في إقناع الجماعة ولمِّ شملهم؛ وقد سمعنا من عقلائهم عباراتِ التَّشائم بِمَقْدَمِهِ في هذه الظروف،والتَّبَرُّم بتكاليفه في هذه السنوات العِجاف؛وإن ضيافة هذا الرَّجل وحدها لأزمة مالية مستقلَّة؛ ولو كان للجماعة شيئ من الشّجاعة لَوَلّوه الظَّهْرَ، وصارحوه بالنهر؛ ولكنَّ الشّجاعة حظوظ، والصّراحة أرزاق.

ـ [الأحنف بن قيس] ــــــــ [17 - Mar-2009, صباحًا 05:31] ـ

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت