ـ [زكرياء توناني] ــــــــ [21 - May-2007, مساء 08:44] ـ
جزاكم الله خيرا.
أخي حمد، أظن - والله أعلم - أن ثم فرقا بين الطاعة والبيعة، فمثلا أمير السفر يُطاع ولا بيعة له.
أخي (وسم المعاني) أرجو منكم ذكر وجه الدلالة من الحديث على صحة مبايعة أكثر من واحد إذا تعددت الأقطار.
بقي استفسار واحد، أرجو منكم بيانه - وقد تقدم طرحه:
هل أجمع العلماء على وجوب البيعة في حالة تعدد الأمراء في الأقطار، بحيث صار لكل قطر أميرٌ؟؟
وجزاكم الله خيرا على تواصلكم ...
ـ [وسم المعاني] ــــــــ [23 - May-2007, صباحًا 08:05] ـ
أخي الكريم
الحديث واضح الدلالة على أنه بعد الأنبياء سيكثر الخلفاء الذي يجب علينا مبايعتهم وإعطائهم حقهم؛ لأن الله سيسألهم عما أسترعاهم , وفيه دلالة على أنهم (( رعاة ) )للرعية ..
وقد أوجز الإمام الشوكاني- رحمه الله- فأبلغ في المسألةِ بقوله:"إذا كانت الإمامة الإسلامية مختصة بواحد, والأمور راجعة إليه مربوطة به كما كان في أيام الصحابة والتابعين وتابعيهم, فحكم الشرع في الثاني الذي جاء بعد ثبوت ولاية الأول أن يقتل إذا لم يتب عن المنازعة, وأما إذا بايع كل واحد منهما جماعة في وقت واحد, فليس أحدهما أولى من الآخر بل يجب على أهل الحل والعقد أن يأخذوا على أيديهما حتى يجعل الأمر في أحدهما فإن استمرا على الخلاف كان على أهل الحل والعقد أن يختاروا منهما من هو أصلح للمسلمين, ولا تخفى وجوه الترجيح على المتأهلين لذلك."
وأما بعد انتشار الإسلام, واتساع رقعته وتباعد أطرافه, فمعلوم أنه قد صار في كل قطر أو أقطار الولاية إلى إمام, أو سلطان, وفي القطر الآخر, أو الأقطار كذلك, ولا ينفذ لبعضهم أمر, ولا نهي في قطر الآخر, وأقطاره التي رجعت إلى ولايته, فلا بأس بتعدد الأئمة والسلاطين, ويجب الطاعة لكل واحد منهم بعد البيعة له على أهل القطر الذي ينفذ فيه أوامره ونواهيه, وكذلك صاحب القطر الآخر, فإذا قام من ينازعه في القطر الذي قد ثبتت فيه ولايته وبايعه أهله كان الحكم فيه أن يقتل إذا لم يتب, ولا تجب على أهل القطر الآخر طاعته, ولا الدخول تحت ولايته لتباعد الأقطار, فإنه قد لا يبلغ إلى ما تباعد منها خبر إمامها أو سلطانها, ولا يدري من قام منهم, أو مات فالتكليف بالطاعة والحال هذه تكليف بما لا يطاق, وهذا معلوم لكل من له اطلاع على أحوال العباد والبلاد, فإن أهل الصين والهند لا يدرون بمن له الولاية في أرض المغرب فضلًا عن أن يتمكنوا من طاعته, وهكذا العكس, وكذلك أهل ما وراء النهر لا يدرون بمن له الولاية في اليمن, وهكذا العكس, فاعرف هذا, فإنه المناسب للقواعد الشرعية والمطابق لما تدل عليه الأدلة, ودع عنك ما يقال في مخالفته, فإن الفرق بين ما كانت عليه الولاية الإسلامية في أول الإسلام, وما هي عليه الآن أوضح من شمس النهار, ومن أنكر هذا, فهو مباهت لا يستحق أن يخاطب بالحجة؛ لأنه لا يعقلها" (1) ."
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية- رحمه الله-:"السنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها, وعجز من الباقين، أو غير ذلك، فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود, ويستوفي الحقوق، ولهذا قال العلماء: إن أهل البغي ينفذ من أحكامهم ما ينفذ من أحكام أهل العدل، وكذلك لو شاركوا الإمارة وصاروا أحزابًا، لوجب على كل حزب فعل ذلك في أهل طاعتهم، فهذا عند تفرق الأمراء وتعددهم" (2) .
وقد ذكر الإمام المجدد- محمد بن عبد الوهاب- الإجماع على أن الحاكم المتغلب يعطى حق الإمام من الطاعة والنصرة, فقال:"الأئمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد- أو بلدان- له حكم الإمام في جميع الأشياء, ولولا هذا ما استقامت الدنيا؛ لأن الناس من زمن طويل قبل الإمام أحمد إلى يومنا هذا ما اجتمعوا على إمام واحد, و لا يعرفون أحدًا من العلماء ذكر أن شيئًا من الأحكام لا يصح إلا بالإمام الأعظم" (3) .
ويقول الشيخ محمد العثيمين- رحمه الله- في الشرح الممتع:" «الإمام» : هو ولي الأمر الأعلى في الدولة، ولا يشترط أن يكون إمامًا عامًّا للمسلمين؛ لأن الإمامة العامة انقرضت من أزمنة متطاولة، والنبي- صلى الله عليه وسلم- قال: (( اسمعوا وأطيعوا, وإن استُعمل عليكم عبد حبشي ) )"
فإذا تأمر إنسان على جهةٍ ما، صار بمنزلة الإمام العام، وصار قوله نافذًا، وأمره مطاعًا، والأمة الإسلامية بدأت تتفرق من عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان- رضي الله عنه-، فابن الزبير في الحجاز، وابن مروان في الشام, والمختار بن عبيد وغيره في العراق، وما زال أئمة الإسلام يدينون بالولاء والطاعة لمن تأمر على ناحيتهم، وإن لم تكن له الخلافة العامة؛ وبهذا يعرف ضلال من يقول: إنه لا إمام للمسلمين اليوم، فلا بيعة لأحد.
فهل يريدون أن تكون الأمور فوضى ليس للناس قائد يقودهم؟ أم يريدون أن يقال: كل إنسان أمير نفسه؟
فهؤلاء إذا ماتوا من غير بيعة, فإنهم يموتون ميتة جاهلية- والعياذ بالله-؛ لأن عمل المسلمين منذ أزمنة متطاولة على أن من استولى على ناحية من النواحي، وصار له الكلمة العليا فيها، فهو إمام فيها" (4) ."
1 -السيل الجرار المتدفق على حدائق الأزهار, للعلامة/محمد بن علي بن محمد الشوكاني, تحقيق/محمود إبراهيم زايد, دار الكتب العلمية - بيروت, ط1، 1405هـ, ج4, ص 512.
2 -مجموع الفتاوى, ج34, ص176,175.
3 -الدرر السنية في الأجوبة النجدية, مجموعة رسائل ومسائل علماء نجد الأعلام, جمع وترتيب: عبدالرحمن بن محمد بن قاسم, دار القاسم, ط7, 1425هـ_2004م, ج9, ص5.
4 -الشرح الممتع على زاد المستقنع, للشيخ محمد الصالح العثيمين, اعتنى به: الدكتور/سليمان بن عبد الله بن حمود أبا الخيل, و الدكتور/خالد بن علي المشيقح, مؤسسة آسام, الرياض, الطبعة الأولى, 1417هـ, ج8, ص 13,12 (بتصرف يسير) .
(يُتْبَعُ)