وأما ما ذكر السائل عافاه الله: من أنه هل يجب تصور معنى لا إله إلا الله فهذا التركيب يفهمه كل عربي لا يخفى على أحد كما يفهم معنى قول القائل ما في الدار إلا زيد وما جاءني إلاّ عمرو وهذا يكفي في القيام بكلمة الشهادة التي هي مفتاح باب دار للإسلام وأعظم ركن من أركانه، وإذا قالها الكافر وجب الكف عنه حتى يشرح الله صدره للإسلام فيقوم ببقية الأركان، ولهذا ثبت عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال لأسامة بن زيد رضي الله عنه لما قتل كافرًا بعد أن قال لا إله إلا الله واعتذر بأنه قالها تعوذًا من القتل فقال له صلى الله عليه و آله وسلم:"أقتلته بعد أن قال لا إله إلا الله"ثم كرر عليه ذلك حتى تمنى أسامة رضي الله عنه ما تمنّاه وفي قصة أخرى أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم:"ما أُمرت أن أفتش عن قلوب الناس"أو كما قال.
وأما ما ذكره السائل عافاه الله: من أنه قد يقول بعض من يحمل الجنازة بالنفي فقط ثم يجيبه الآخر بالإثبات فلا يخفى أن هؤلاء لهم عذر واضح وهو أنهم قد جعلوا أنفسهم بمنزلة الشخص الواحد فكأنّ مجموع النفي والإثبات قائم بكل واحد منهم وهم لا يريدون غير هذا ولو قيل للنافي كيف قلت:"لا إله"فقط، فإن ذلك يستلزم نفي إلهية الرب سبحانه لقال لم أُرد هذا، بل أردت أنه الإله وحده اكتفاء بالإستثناء الواقع من الآخرين فهذا اللفظ وإن كان مستنكرًا وبدعة، ولكنه لا يستلزم ما فهمه السائل والعمدة على ضمائر القلوب ومقاصد النفوس، ومثل هذا في الابتداع ما يلهج به كثير من المتصوفين في أنه يُهمل اللفظ الدال على النفي ويقتصر على اللفظ الدال على الاستثناء تحرّجًا منه عن مدلول بلفظ النفي الشامل وهو جهل منه فإن الكلام بتمامه، ولا يتم إلا بمجموع النفي والإثبات وهو شأن كل استثناء متصل ومع هذا فتعليم الشارع لأمته أن يقولوا: لا إله إلا الله يدخض كل شبهة ويرفع كل جهل وقد جاء بذلك القرآن الكريم في غير موضع، فهذا المتصوف الجاهل تحرج عن تعليم الله عزوجل ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم وظن بجهله أنه قد جاء بما هو أولى من ذلك مع أنه جاء بكلام غير مفيد وتركيب ناقض، وليس بمعذور كما عُذر الجماعة الذي يقول أحدهم بالنفي والآخر بالإثبات لأن أؤلئك قد نزلوا أنفسهم منزلة الشخص الواحد، وأما قول السائل فهل يكون ذلك في سائر الأركان .. إلخ.
فنقول: نعم لابد أن يأتي بكل واحد منها على الصفة المُخزية التي لا اختلال فيها باعتبار ما هو الواجب الذي لا تتم الصورة الشرعية إلا به فإن انتقض من ذلك ما يخرج ما جاء به عن الصورة الشرعية فهو بمنزلة من ترك ذلك من الأصل لكنه إذا كان ذلك لجهله بالوجوب عليه وترك التعلّم لما يلزمه فهو من هذه الحيثية أثم بترك واجب التعلم مع ظنه بأن الذي افترضه الله عليه هو ما فعله على تلك الصورة الناقصة يدفع عنه معرّة الكفر ولا يدفع عنه معرّة الإثم، وقد ثبت أن بعض أهل الكفر تكلم بكلمة الشهادة ثم عرض الجهاد فجاهد وقُتل فأخبر النبي صلى الله عليه وآله بأن الله تعالى أدخله الجنة ولم تُصل ركعة فجعل اشتغال هذا بواجب الجهاد عُذرًا، والجاهل لو علم أن صلاته الواجبة لا تتم بالصلاة التي جاء بها على الصورة الناقصة لجاء بالصورة التامة وبادر إلى تعلّمها لكن اجتمع تفرطُ أهل الجهل عن التعلم وتفريط أهل العلم عن التعليم فاشتركت الطائفتان في الإثم، لأن الله سبحانه أوجب على العلماء أن يعلًموا وأخذ الله عليهم الميثاق فذلك كما في قوله:"وإذا أخذ الله ميثاق الذين أُوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه"وفي الآية الأخرى:"إن الذين يكتمون"إلى أخر الآية المصرحة باستحقاقهم للعنة الله عزوجل ولعنة اللاعنين.
فهؤلاء فرّطوا فيما أوجب الله عليهم من التعليم كما فرط الجاهلون فيما أوجب الله عليهم من التعلم، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والحمد لله أولًاوآخرًا، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه) إهـ الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (4/ 1833)