فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
عنده، قسيمًا لما سمى به نفسه! ومعلوم أن هذا التقسيم تفصيل لما سمى به نفسه، فوجه الكلام أن يقال: سميت به نفسك، فأنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك. فإن هذه الأقسام الثلاثة تفصيل لما سمى به نفسه. وأجاب الحافظ على هذا الإشكال بجواب مستفيض وحقق تحقيقًا قلّ ما يوجد له نظير - فيما علمنا- وملخصه هو الآتي: إن العطف بين هذه الجمل من باب عطف الخاص، لأن كل جملة أخص من التي قبلها، والمعهود في باب عطف الخاص على العام أن يكون بالواو دون سائر حروف العطف إلا أن العطف بـ"أو"على العام له فائدة أخرى غير الفائدة التي في العطف بالواو. وهي بناء الكلام على التقسيم والتنويع كما بنى عليه تامًا. فيقال: سميت به نفسك فإما أنزلته في كتابك. وإما علمته أحدًا من خلقك303 اهـ. قلت: ولا يستبعد لو قيل: إن"أو"هنا معنى الواو، وهو أسلوب متبع معروف عند أهل اللغة. ثم انتقل ليذكر لنا فائدة أخرى في الحديث، وملخص ذلك: أن الحديث يدل على أن أسماء الله غير مخلوقة، بل هو الذي تكلم بها وسمى بها نفسه، ولهذا لم يقل: كل اسم خلقته لنفسك، ولو كانت مخلوقة لم يسأله بها. فإن الله (لا يقسم عليه) بشيء من خلقه، فالحديث صريح في أن أسماء الله ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم، ويدل أيضًا على أن الأسماء مشتقة من صفاته، وصفاته قديمة قائمة به تعالى فأسماؤه غير مخلوقة304 اهـ. فإن قيل: فالاسم عندكم هو المسمى أو غيره؟! قيل: طالما غلط بعض الناس في ذلك وجهلوا الصواب فيه. فالاسم يراد به المسمى تارة، ويراد به اللفظ الدال عليه أخرى، فإذا قلت: قال الله كذا، واستوى الله على عرشه وسمع الله ورأى وخلق فهذا المراد به المسمى نفسه، وإذا قلت: الله اسم عربي، والرحمن اسم عربي، أو الرحيم من أسماء الله، وما في هذا المعنى فالاسم ها هنا هو اللفظ الدال على المسمى، ولا يقال غيره لما في لفظ الغير من الإجمال، فإن أريد بالمغايرة أن اللفظ غير المعنى، فحق. وإن أريد أن الله كان وليس له أسماء حتى خلق لنفسه أسماء أو حتى سماه خلقه بأسماء من صنعهم، فهذا من أعظم الضلال والإلحاد305 اهـ. ثم واصل كلامه قائلًا قوله:"أو استأثرت به في علم الغيب عندك"دليل على أن أسماء الله أكثر من تسعة وتعسين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره. وعلى هذا فقوله:"إن لله تسعة وتسعين اسمًا من أحصاها دخل الجنة"لا ينفي أن يكون له سبحانه غيرها والكلام جملة واحدة306 اهـ. قلت: وعلى هذا يكون إعراب الجملة هكذا: لله جار ومجرور حال مقدمة على صاحبها، وتسعة وتسعون مبتدأ307، وسوغ الابتداء بالنكرة تقدم الحال وهو جار ومجرور، وهو المسوغ أيضًا لكون صاحب الحال نكرة، وجملة من أحصاها دخل الجنة خبر المبتدأ. ويكون المعنى هكذا: تسعة وتسعون اسمًا حال كونها ثابتة لله مخبر عنها بدخول الجنة لمن حفظها وأحصاها، مؤمنًا بها دون إلحاد فيها، والله أعلم. وقد أشار الحافظ ابن حجر في فتح الباري إلى هذا المعنى نقلًا عن الخطابي. وقد أوضح ابن القيم هذا المعنى بقوله:"كما يقال لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة، وله مائة فرس أعدها للجهاد."