فهرس الكتاب

الصفحة 16499 من 28557

32 -وجاءت حرب العاشر من رمضان المشهورة إعلاميًّا بحرب السادس من أكتوبر لتشهد لأول مرة إعداد على الجانب الإيماني وعلى الجانب المادي، وأرشيف الإذاعة والتلفزيون ومؤلفات وزارة الأوقاف المصرية في هذه الفترة شاهدة على أن الخطاب كان إسلاميًّا، وأن الجنود ذهبوا لكي يقاتلوا اليهود هاتفين:"الله اكبر"، نعم وجد الإعداد والسلاح، ولكنه لم يكن ليقف أمام السلاح الإسرائيلي لولا البطولة التي أظهرها الجنود، حكى شهود عيان أن المشاة المصريين كانوا إذا قابلهم حقل ألغام انتدبوا منهم مجموعة استشهادية لينفجر فيهم اللغم ويمر الباقي على أشلائهم، وحكى آخرون أنهم كانوا إذا عدموا مضادات الدبابات كَمِن أحدهم لها، ثم ألقى بنفسه على فوهة مدفعها لكي تسد أشلاؤه فتحتها فتعطل، بالإضافة إلى الموقف العربي الموحد الذي أرعب الأعداء في أمريكا قبل إسرائيل.

ومشت أمريكا على درب إنجلترا في النفاق وادعاء الصداقة للشعوب التي كانت قديمًا مستعمرات لها، إلا أنهم لسبب أو لآخر اختاروا الإعلان الصريح عن دعمهم التام والكامل لأمن إسرائيل، وللمسألة بُعدٌ يتعلق بسيطرة المال اليهودي على سير أي انتخابات في أمريكا، ولكن البعد الأكبر أن أمريكا تريد أن تنمي التركة التي ورثتها عن إنجلترا لا أن تضعفها، ومن هذه التركة هذا السلاح الخبيث المسمى إسرائيل.

33 -إذا أضفت إلى هذا الجبن والهلع الذي هو سمة أساسية في الشخصية اليهودية؛ فإن الغرب يخاف أن يأتي اليوم الذي يختار فيه اليهود العودة اختياريًّا إلى حارات اليهود في أوربا الشرقية وغيرها، وفي هذه الحالة يخسر الغرب أكبر إنجازاتهم في حرب المسلمين في العصر الحديث.

إن اليهود الذين استعبدتهم الأمم على مدار تاريخهم قد استعبدهم الروم فجعلوهم أكبر درع بشري في التاريخ يحمى أوربا وأمريكا.

وفي مقابل ذلك لابد من دفع الثمن تمامًا، كما يحسن المختطفون إلى الرهائن لأن قوتهم مستمدة من سلامة هؤلاء الرهائن، فلابد للغرب أن يسدد الفاتورة مال وسلاح واحترام لليهود ومشاعرهم وشعائرهم ويبقى في النهاية أكثر الناس استفادة هم أثرياء الحركة الصهيونية في أمريكا الذين يشعرون بهذه المعادلة المعقدة أنهم ملوك العلم بحق.

34 -وكان لدخول أمريكا في اللعبة بهذا الوضوح أثره في استئساد إسرائيل، فعندما تقول دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات فهل هذا كثير على أمريكا؟ فإن لم يكن كذلك فهو ليس بكثير على إسرائيل، وترسخ هذا المفهوم حتى صار من مسلمات السياسة العربية.

35 -ولكن الله قيض للأمة حركات الجهاد الذين حققوا تقدمًا كبيرًا جدًّا في جوانب البناء العقدي، والأخذ بأسباب القوة الإيمانية، وأخذوا بأسباب القوة المادية، واستلهموا صور الجهاد قبل دخول الجيوش العربية في اللعبة القائمة على استثمار طبيعة الأرض وبساطة التقنيات واستثمار جبن العدو وهلعه وعجز العدو الأصلي -الغرب- عن التدخل لإنقاذه في الأزقة والحواري.

والإمبراطورية الأمريكية من فرط انشغالها بجنون القوة عرفت الصواريخ العابرة للقارات، وعرفت الرادارات المتطورة ونظارات الرؤية الليلة، ولكنهم لم يعرفوا مضادات لقذائف الحجارة، ولله في خلقه شئون، وحتى لو استطاعوا اختراع مضادات للصورايخ البدائية فإن ربيبتهم إسرائيل لم تكن يومًا من الأيام مؤهلة لأن تلتحم في قتال؛ لأنهم غير مستعدين لتقديم قتلى نظير شيء مهما غلا؛ (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) (البقرة: الآية96) أي حياة مهما بلغت دناءتها، ويكفي أن تعلم أن معظم سكان إسرائيل يحملون مع الجنسية الإسرائيلية جنسية أخرى بحيث يرحلون متى ضاقت عليهم الأمور، مما حدا ببعض الخبراء الأمريكيين بعد حرب غزة 2009 إلى توقع انهيار إسرائيل خلال عشرين عامًا لو استمرت المقاومة الفلسطينية على ما هي عليه.

وعادت مطالب الحركة الإسلامية الفلسطينية للمسلمين مرة ثانية:

"لا تخوضوا حروبًا بجانبنا ولكن نريد المال والسلاح وتخذيل الأمم المتحدة من محاولة إظهار المجاهدين في صورة المعتدين".

36 -إن هذا التطور الدرامتيكي في موازين القوى فرصة لتغيير مسار التاريخ، فهل نستثمرها، أم نترك المقاومة لكي تلتهمها أمريكا كما التهمت إنجلترا الجهاد القسامي من قبل؟ لا سيما وأن الخطر الفارسي ليس بعيدًا عن الأحداث، بل إنه ينتظر الفرصة لكي يثب منها على المقاومة السنية، فيدمجها في مشروعه الذي ظاهرة التشيع وباطنه عودة الإمبراطورية الفارسية، لا سيما مع وجود بوادر تحول في صفوف المقاومة الفلسطينية السنية عن الموقف الشرعي السليم من الشيعة، والذي عبَّر عنه الشيخ أحمد ياسين -رحمه الله- بقوله:"نحن والشيعة تقاطع مصالح لا تحالف"، إلى نوع من مداهنة الشيعة عبرت عنها زيارة الأستاذ خالد مشعل بعد حرب غزة 2009 إلى إيران، والتي وُصفت في الإعلام الإيراني بأنها كانت لتقديم تقرير لولي أمر المسلمين عن أحداث غزة.

يجب على الجميع أن يتحرك قبل فوات الأوان، وينقذ المقاومة الفلسطينية، والتي قُدر لها أن تقع بين مطرقة الروم وسندان فارس.

أما فيما يخص أبناء الصحوة الإسلامية فنحتاج إلى نشر التوعية بهذه القضية في كل المحافل والميادين، والعمل على توضيح معاني الولاء والبراء؛ حتى لا نلدغ من ذات الجحر عشرات المرات، وليسد كلٌّ الثغرة التي استعمله الله عليها.

نسأل الله أن يستعملنا في العمل بدينه.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــ

(*) أثمرت هذه النهضة إصلاحًا في كثير من النواحي، إلا أنها ظلت مقيدة بالإطار الكلامي، حتى جاء شيخ الإسلام ابن تيمية فبلغت هذه النهضة أوجها على يديه -رحمه الله-، وردَّها إلى المنهج السلفي جملة وتفصيل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت