فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ما على زعمهم.
وجه تسمية المشركين مشركين، وتبرَي الرسل من كل ما يوهم اختصاصهم بالقوَة الغيبية دون العالمين.
إذا علمت هذا علمت أن العابدين لهذه المعبودات ليست هي مقصودة بالذات، وإنَما لما تضمَنته من القوَة الغيبية على زعمهم التي هي من خصوصيات القدرة الإلهية، فلهذا سموا مشركين (لأنَهم) أشركوا مع الله غير الله في القوة التي لا تكون لسواه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.
ولهذا تبرأ الرسل من كل ما يوهم هذه القوة فقال نوح عليه السلام: (( وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ ) ) [هود31] ، و قال (الله) لمحمَد صلى الله عليه وسلم: (( قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ ) ) [الأنعام: 50] ، وقال عيسى عليه السلام: (( مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ) ) [المائدة: 116] ، وقال الله تعالى فيه وفي أمه عليهما السلام: (( مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلاَنِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) ) [المائدة75] وكقوله صلى الله عليه و سلم من حديث رواه البخاري و مسلم: «إِنَّمَا أَنَا عَبْدٌ فَقُولُوا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ» .
و قد تأتي الآيات القرآنية على أسلوب بديع بأن يكون صدرها نافيا للقوى الإلهية عنه-أي: عن الرَسول- وعجزها مثبتا للقوى البشرية له، وذلك كقوله تعالى: (( قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ) ) [الأعراف: 188] ، وقوله تعالى: (( وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ) ) [الشورى:52] .
نفى عنه تعالى في صدر الآية الهداية التي بمعنى صرف القلوب والقوى الباطنية إلى غيرها لأنها من خصوصية الألوهية، وأثبت له صلى الله عليه و سلم في عجز الآية الهداية التي بمعنى الدلالة والإرشاد التي هي من الأمور الداخلة تحت تصرف القوى البشرية، ومن هذا الأسلوب قول الله تعالى لعيسى عليه السلام: (( وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ {116} مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {117} ) ) [المائدة 116 - 117] ، ففي صدر هذه الآية نفى عليه السلام قول وعلم ما ليس له لأنهما من خصوصية الألوهية، وفي عجزها أثبت لنفسه الأمر بعبادة الله تعالى والشهادة على قومه ما دام فيهم حيا، لأنهما من الممكنات البشرية، ثم أثبت الرقابة والشهادة لله بعد موته لأنه انقطع تصرفه بانقطاعه عن الدنيا عليه الصلاة و السلام، ما أدل كلامك يا رب على وحدانيتك! وما أوقعه في القلوب الحية المقبلة على تدبره والتذلل بين يدي ربوبيتك .. وهذا الباب واسع جدا و لو فتحناه على مصراعيه لما انغلق وانقضى، و هذا بعض ما فتح الله به منه على هذا العبد ولله المنة والحمد من قبل و من بعد.
و جميع ما ذكرناه هو كالمقدمة لكتاب التوحيد، وسنشرع إن شاء الله في العدد المقبل في المقصود بالذات تحت عنوان:"توحيد الله تعالى وما يراد به من الناحية الشرعية الدينية"ونقسمه إلى ثلاثة: توحيد الله في القول، توحيده في العمل، توحيده في الإرادات، بلغنا الله الأمل، ورزقنا الإخلاص في العمل.
بسكرة
عمر بن البسكري
* مجلة الشهاب الجزء 7 مجلد 10 1353هـ/1934م