32 -"ولما عمَّ كل خيرٍ، خصَّ ليكون المخصوص مأمورًا به مرتين، دلالة على جليل أمره وعليّ قدره، فقال: (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) أي: من الدين (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) فيه، بحيث لا يخلو وقت من الأوقات عن قوم قائمين بذلك، وهو تنبيه لهم على أن يلازموا ما فعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومن معه من أصحابه ـ رضي الله تعالى عنهم ـ من أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر".
قال شيخنا ربيع المدخلي ـ حفظه الله ـ:
33 -"إن الله فرض علينا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن مخالفة ما بيَّنه الله في كتابه من أمر العقائد وبيَّنه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في سننه وهديه من أعظم المنكرات، وإغفالها والسكوت عن بيانها بعد العلم بها من أعظم الغش والخيانة للإسلام والمسلمين، ولا سيما إذا رافق هذا الكتمان والسكوت تلبيس وتمويه". ["أضواء إسلامية على عقيدة سيد قطب وفكره" (9) ]
قال الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ:
34 -"فإنما نريد من الأمة: القادرين على القيام به خاصة، وهؤلاء هم الذين تحق عليهم كلمة العذاب حيث لا تنهض به طائفة منهم، فلا جناح على من لا يستطيع الدعاء إلى خير أو الدفاع عن حق، إذا سكت المستطيعون إليه سبيلًا". ["الدعوة إلى الإصلاح" (ص:28) ]
قال الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ:
35 -قوله ـ تعالى ـ: (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) والمعنى: أنهم هم المفلحون على الكمال والتمام، وإن كان غيرهم من المؤمنين مفلحًا، إذا تخلى عن بعض هذه الصفات لعذر شرعي، لكن المفلحون على الكمال والتمام هم هؤلاء الذين دعوا إلى الخير، وأمروا بالمعروف وبادروا إليه، ونهوا عن المنكر وابتعدوا عنه، أما الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر لأغراض أخرى، كرياء وسمعة، أو خطر عاجل، أو أسباب أخرى، أو يتخلفون عن فعل المعروف، ويرتكبون المنكر، فهؤلاء من أخبث الناس، ومن أسوئهم عاقبة". ["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (صفحة: 13) ] "
قال ابن القيم ـ رحمه الله ـ:
36 -"فخص هؤلاء بالفلاح دون من عداهم، والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب الله وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان". ["إعلام الموقعين" (2/ 224) ]
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ:
37 -"وكذلك وصف الله الأمة بما وصف به نبيَّها حيث قال:"
38 - (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّه .. ِ(110) [آل عمران]
قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ:
39 -"إِنَّمَا حَازَتْ هَذِهِ الأمَّةُ قَصَبَ السَّبْقِ إِلَى الْخَيْرَاتِ بِنَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلامُهُ ـ، فَإِنَّهُ أَشْرَفُ خَلْقِ اللَّهِ، وَأَكْرَمُ الرُّسُلِ عَلَى اللَّهِ، وَبَعَثَهُ اللَّهُ بِشَرْعٍ كَامِلٍ عَظِيمٍ لَمْ يُعْطَهُ نَبِيٌّ قَبْلَهُ وَلا رَسُولٌ مِنْ الرُّسُلِ، فَالْعَمَلُ عَلَى مِنْهَاجِهِ وَسَبِيلِهِ يَقُومُ الْقَلِيلُ مِنْهُ مَا لا يَقُومُ الْعَمَلُ الْكَثِيرُ مِنْ أَعْمَالِ غَيْرِهِمْ مَقَامَهُ". [انتهى كلام الحافظ ابن كثير ملخصًا]
وقال العلامة الشيخ محمد الخضر حسين ـ رحمه الله ـ:
40 -"فالآية توميء إلى أن المخاطبين بها يفضلون على سائر الأمم، وإنما نالوا هذه الأفضلية بمزيَّة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله". ["الدعوة إلى الإصلاح" (ص:30) ]
عن علي بن أبي طالب ـ رضي الله عنه ـ قال: قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:
41 -"أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء". فقلنا: يا رسول الله! ما هو؟ قال:"نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعل التراب لي طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم". [أخرجه أحمد، وهو في"الصحيحة" (3939) ]
وعن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، أنه سمع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في قوله ـ تعالى ـ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) قال:
42 -"إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله". ["صحيح الجامع" (2301) ]
ولا شك أن هذه الخيرية التي اكتسبتها أمة محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أهم أسبابها الاعتناء بقول نبيها محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بحفظه متنًا وسندًا، وحفظه سندًا لقيام الطائفة المنصورة فيه بعلم الجرح والتعديل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا كانت الطائفة المنصورة أهل الحديث أنفع الناس للناس.
قال ابن عباس، ومُجاهد، وعِكْرِمة، وعَطاء، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفيّ: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) يعني:
43 -"خَيْرَ الناس للناس". [نقله ابن كثير في"تفسيره"]
وقد فسر أبو هريرة ـ رضي الله عنه ـ هذا المعنى بقوله:
44 -"تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام". [أخرجه البخاري ـ كتاب التفسيرـ]
قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ:
45 -"قال ابن الجوزي: معناه أنهم أُسِرُوا وَقُيِّدُوا، فَلَمَّا عَرَفُوا صِحَّة الإسْلام دَخَلُوا طَوْعًا فَدَخَلُوا الْجَنَّة، فَكَانَ الإكْرَاه عَلَى الأسْر وَالتَّقْيِيد هُوَ السَّبَب الأوَّل، وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ عَلَى الإكْرَاه التَّسَلْسُل، وَلَمَّا كَانَ هُوَ السَّبَب فِي دُخُول الْجَنَّة أَقَامَ الْمُسَبَّب مَقَام السَّبَب". ["فتح الباري" (9/ 220) ]
وفي هذه الآية أوضح الله ـ عز وجل ـ منزلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإسلام، وبيّن ـ سبحانه ـ أن منزلته عظيمة، فقدَّمه على سبيل المثال في هذه الآية على الإيمان.
قال الإمام ابن باز ـ رحمه الله ـ:
46 -"ولا نعلم السر في هذا التقديم إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة لظهور المعاصي وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة". ["وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر" (صفحة: 6) ]
إعداد: هشام بن فهمي العارف
22/ 3/1430 الموافق 18/ 3/2009