فهرس الكتاب

الصفحة 17098 من 28557

وبعد الوقوف على أهم بنود الشرعية الدولية المنبثقة من قوانين هيئة الأمم المتحدة نصل إلى معرفة حكم الله فيها: يقول الله عز وجل: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة 256: [ويقول سبحانه: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ) [النحل:36] , في هاتين الآيتين يبين الله عز وجل أن التوحيد والعبودية الحقة لله عز وجل لا تصح إلا بالكفر بالطاغوت واجتنابه وعبادة الله عز وجل وحده.

بل قد قدم الكفر بالطاغوت على الأمر بالإيمان بالله عز وجل لأن الإيمان بالله لا يصح إلا بالكفر بالطاغوت، والطاغوت هو كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. يقول الشيخ الدوسري رحمه الله تعالى عند آية الكرسي: (فالطاغوت مشتق من الطغيان، وهو مجاوزة الحد، يقال(طغى الماء) إذا ارتفع مده عن قامة الإنسان بحيث يغرقه، فكل من تجاوز حده الذي حده الله له من وجوب عبادته سبحانه والوقوف عند حدوده بالتزام شريعته، فتجاوز ذلك وسعى في أن يكون معبودا لا عابدا بأي نوع من أنواع المكر والاحتيال أو القهر والإرهاب أو التشريع في التحليل والتحريم والتقنين، فهو طاغوت يجب الكفر به ببغضه وعداوته والابتعاد عنه وبغض أحبابه وأعوانه، ولا يصح الإيمان بالله قطعا إلا بالكفر بالطاغوت ...

وكل من يدعوا إلى مبدأ قومي يلتقي المسلم فيه مع الطوائف الضالة أو إلى مذهب مادي من المذاهب اليهودية فهو من الطواغيت الذين يجب الكفر بهم وبغضهم وعداوتهم والابتعاد عن همزاتهم، فمن حقق الكفر بالطاغوت بجميع أنواعه، وحقق الإيمان بالله بحصر المحبة له ومن أجله وفي سبيله، وبغض كل ما يبغضه الله من أي شخص أو عمل (فقد استمسك بالعروة الوثقى) (3) أ. هـ

وهل اتباع طاغوت الشرعية الدولية وطاعة قوانينه إلا إيمانًا به وقد أمرنا أن نكفر به، قال الله عز وجل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلًا بَعِيدًا) [النساء:60] . يقول الحافظ ابن كثير في تفسيره لهذه الآية (هذه الآية ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواها من الباطل وهو المراد بالطاغوت هاهنا) اهـ. ويقول ابن القيم في إعلام الموقعين: (من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه) اهـ. ويقول الشنقيطي في تفسيره أضواء البيان:) وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت) اهـ من تفسير سورة الشورى.

إن الكفر بالطاغوت والإيمان بالله عز وجل هما ركنا كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) وهو دين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وملة أبينا إبراهيم على الصلاة والسلام الذي أمرنا الله عز وجل باتباعها وذلك في قوله سبحانه (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4] .

وبعد: فإنه والله لزمن غربة هذا الزمان الذي تغيب فيه هذه الأصول على وضوحها. لقد آن الأوان أن يترك العلماء عزلتهم التي يعيشون فيها عن واقع الأمة وما يحاك لها من التلبيس حيث أراد أعداؤها من الكفار والمنافقين أن يغيبوا أهل العلم ويقصوهم عن بيان هذه المحكمات وغيرها من القضايا والنوازل التي تنتظر الأمة قول أهل العلم فيها. فهل يعي أهل العلم دورهم والأمانة الثقيلة الملقاة على كواهلهم؟ (وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ) [آل عمران: 178] .

نسأل الله عز وجل أن يهدينا صراطه المستقيم وأن يبصرنا سبيل المؤمنين ويرزقنا اتباعه وسبيل المجرمين ويلهمنا اجتنباه والحمد لله رب العالمين.

(1) انظر للتعرف على هذه الأسماء كتاب (أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية) للدكتور علي العلياني.

(2) أهمية الجهاد في نشر الدعوة الإسلامية ص (445 - 459) باختصار وتصرف يسير.

(3) صفوة الآثار والمفاهيم في تفسير آية الكرسي.

المصدر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت