فهرس الكتاب

الصفحة 17146 من 28557

إن الخطاب الإسلامي المشتت والخيالي لدى البعض منا، و الغارق في الإسلام المؤؤل"اجتهادات العلماء في عصر الضعف، و أحيانا المبدل"البدع و الخرافات و الأحاديث الضعيفة و الموضوعة"أي البعيد عن الإسلام المنزل، و الذي ينسج صورة براقة عن فترات من الماضي ملتهبة وصراعية ابتعدت عن إسلام الصحابة و التابعين و تابعيهم منهجا وسلوكا، يريد أن يبعثها في المستقبل دون معرفة بالعقبات و المتغيرات التي لا يمكن بعثها من جديد في هذا العصر، والذي لا يتسم بأية صورة من صور التسامح الإسلامي، و خال من أية صياغة منطقية لمبادئه، و يحاول أن يدفع التناقض الذي يعاني منه من خلال إدخال هذه المسائل الخلافية في مجال اللامفكر فيه أو الممنوع التفكير فيه، ولا اقصد من هذا التسوية بين الجلاد و الضحية، بين المصيب و المخطيْ، بل يجب التفريق بين الأصيل المتمسك بالكتاب و السنة،و الدخيل المستورد من شرق وغرب، من يونان ورومان."

هذا الخطاب الذي يكرس عند أتباعه القطيعة مع العصر الذي يعيشون فيه من خلال إعادة بعث مشاكل وقعت في التاريخ الإسلامي لا دواعي لها في هذا العصر كالعقائد الكلامية الميتة و التصورات الصوفية البدعية لعالم يديره رجال الغيب! وغيرها، و الأمة في غنى عنها، فيحاول أن يحيي مشاكل ميتة و ينسى المشاكل الحية هو من يرفض مجابهة الفكر المعاصر ويتجنب محاربة التنصر و العلمنة وردعهما، و يرفض الكلام عن البدع الهدامة لجوهر الإسلام وروحه أي للوحدانية في العقيدة و التعبد.

إننا، لا يجب أن نرفض مجابهة الفكر المعاصر أو الهروب منه لأننا غارقون في عبادة القبور و الاعتقاد في الخرافات ورجال الغيب يدبرون الكون، يرزقون وينصرون، ويهبون لهذا الذكور ولذاك الإناث، وبالتالي عاجزون عن مجابهة فكر يعتمد ظاهرا الموضوعية ويعتمد التجربة منهجا، لأن هذا الفكر منه ما يخص بالذات الحضارة الغربية ذات الخلفية المسيحية، ومنه ما هو من الفكر الكوني العالمي المرتبط بالحقائق العلمية كما شاء لها الله سبحانه و تعالى أن تكون، فلم لا يمكن أن يشكل هذا الفكر الكوني الصحيح بعض نقاط الارتكاز لسؤال الذات،ومنصة لدخول الحضارة الغربية كدعاة لخير الأديان، وسفراء خاتم الرسل و الأنبياء،و بالتالي لا خشية على الإسلام من هذا الفكر بل العكس صحيح، بحيث يمكن للمسلمين من استخدام هذا الفكر لنشر فكرهم الإسلامي.

إن رفض مجابهة الفكر المعاصر بكل ألوانه أو مجابهته على استحياء هو ما يعيق الإسلام الصحيح إسلام الكتاب و السنة عن اجتياح مساحات فكرية و علمية هامة و مفيدة للأمة الإسلامية في داخلها وخارجها.

إن فرص اختراق الفكر الغربي المتشبث في مجتمعاتنا بسبب أخطائنا و قصورنا، و المثقل بمخالفة الفطرة، و المتناقض مع الحقائق الكونية، و المعارض لضروريات الإنسان الحقيقية،والغارق في الاجتهادات المتضادة، والواقع تحت مؤثرات المجتمع الاستهلاكي عديدة للوصول إلى زعزعته وهيمنة الفكر الإسلامي عليه، لكن بشرط أن يتخلص المسلمون من عقدتهم أمامه، و لا يحاولون تكييف الإسلام مع أهوائه، ولا يغفلون عن أصل رسالتهم الحقيقي، وهو إنقاذ ما أمكن إنقاذه من البشر من براثن النار ومن جور الشرك و الكفر، ومن استعباد الإنسان لغير الله تعالى.

فالفكر الإسلامي المعاصر نسي في معظمه المعنى الأصلي لرسالته وهي الدعوة إلى الله وتبليغ الإسلام، وراح يخوض عملية دفاع ورد هجومات الفكر الغربي.

إن خطابنا الديني لا يجب أن يندرج في إجراءات عدم الزوال و الذوبان في مختلف التيارات الفكرية المعاصرة، بل يجب أن يندرج في معنى الآية الكريمة: {ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلا يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين} ، وفي معنى قوله تعالى: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله} أي: ليهيمن خطابه على كل خطاب، و يهيمن منهاجه على كل المناهج، كما أن الإسلام هو الدين المهيمن على جميع الأديان، وهو لا يهيمن عليها إلا إذا سد نقاط النقص في الأديان الأخرى، و أحدث التوازن للإنسان، هذا التوازن الذي يفتقده في الديانات الأخرى، فإذا كان موسى بعث بالجلال، و عيسى بالجمال، فمحمد صلى الله عليه و سلم بعث بالكمال.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت