فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
من الأمة، فلا شك انه لن يصلح بالهجر و التحذير، وقد فقد شروطه.
و في ديننا ما يكفي من النصوص لاستخلاص ما يدعونا إلى الاجتماع و العمل به، فقط يجب إبرازه وتركيز النظر عليه.
لقد أشار النبي صلى الله عليه و سلم إلى قواعد التعامل بين المسلمين، التي توجب الائتلاف و اجتماع الكلمة، وتنفي التفرق و التشتت عندما قال:"اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فإذا اختلفتم فيه فقوموا عنه"البخاري في"فضائل القرآن"و"الاعتصام".
وقد فسر العلماء هذا الحديث تفسيرا مطابقا للقرآن، مطابقا لجوهر الدعوة الإسلامية، منهم القاضي عياض ـ رحمه الله ـ فقالوا: اقرؤوا القرآن و ألزموا الائتلاف على ما دل عليه، و قاد إليه، ــ و القرآن دل على أن أمتنا واحدة، لأن ربها واحد، و نبيها واحد، و كتابها واحد، وهذا أصل اجتماعها و أصل قوتها، ودل على الأخوة الإسلامية، و المحبة بين المسلمين، وعلى تعاونهم على البر و التقوى، ودل على خفض الجناح للمسلمين، و التذلل لهم الذلة المشروعةـ و إذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة، يقتضي المنازعة الداعية للافتراق، فأمر بترك القراءة، و التمسك بالمحكم الذي يوجب الألفة، و اعرضوا عن المتشابه المؤدي للفرقة.
فما كان متشابها في المنهج، قال به إمام، وتركه إمام، أو مطلقا يقيد أحيانا، و يبقى على إطلاقه أحيانا، فيجب التعامل معه على هذا الأساس، فلا وقوف إلا عند القطعي من قواعد المنهج، وهو إما ما قامت عليه أدلة الكتاب و السنة، أو ما اجتمع عليه أئمة السنة.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه و سلم:"فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فاحذروهم".
فإذا كانت هذه وصية رسول الله صلى الله عليه و سلم في القرآن، يقدم الائتلاف و اجتماع الكلمة على مواصلة قراءة القرآن، و الخوض فيما اختلفنا فيه، وقد علمنا أن المتشابه أمر نسبي، فما هو متشابه عند هذا، قد يكون محكما عند الآخر، ومع ذلك يحثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم على ترك ما يوجب اختلافنا، و التمسك بما يوجب ائتلافنا، أفليس أحرى بنا أن نعمل بهذا الأصل فيما هو دون القرآن مكانة وقيمة، ككثير من المباحث الكلامية التي لم يشر إليها النبي صراحة، ولم يمتحن عليها الأمة، وما إلى ذلك من أمور منهجية وفقهية وغيرها.
أفليس كثير من الخلافات بين أهل السنة المعاصرين أقل شأنا من الاختلاف في القرآن؟
وفي الحديث الذي روى بعضه الإمام مسلم، و سائره في"مسند"الإمام احمد، لما خرج النبي صلى الله عليه و سلم على بعض الصحابة،و هم يتناظرون في القدر، فغضب وقال لهم:"أبهذا أمرتم، إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب الله بعضه ببعض و إنما نزل كتاب الله ليصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا انظروا ما أمرتم به فافعلوه وما نهيتم عنه فاجتنبوه" [1] ( http://montada.echoroukonline.com/#_ftn1) .
لم يقل لهم صلى الله عليهم وسلم: بعضكم على حق، وبعضكم أخطأ، ولكنه علم خطر الاختلاف في مثل هذه الأمور، و أمرهم بلزوم الأوامر وترك النواهي، فهي ما يمثل حقيقة الإيمان بالله، و حقيقة الطاعة، ونحن مأمورون بهذا الأمر النبوي، فلندع ما يفرقنا من هذا القبيل، و لننظر فيما أمرنا الله به لنأتيه، وما نهانا عنه لنتركه.
وقد شدد الوعيد على الاختلاف في القرآن وقال:"المراء في القرآن كفر".
و إذا كانت الأمور التي تفرقنا، و تشتت قلوبنا سببا في ضياع أحوالنا، وهواننا أمام أمتنا و أمام الأمم، و تخلفنا، فالأمر باجتنابها أوكد و أظهر، وعليه يجب الحذر ممن همه إبراز الاختلاف بين أهل السنة و الجماعة بصورة عصبية، بحيث لا يحتمل الخلاف السائغ، ولا يبحث عن القواسم المشتركة يظهرها و ينميها و يقويها، فإنه سبب من أسباب الهلاك و الضياع.
إن الافتراق يتضمن الإيحاش، و قطع الألفة، وترك التعاضد على الحق و الخير، فلئن حافظت كل فرقة على نفسها مبدئيا لأن أهل السنة صاروا فرقا، أقصد على شكلها، فإن الأمة تضيع فيه بلا أدنى شك، ومتى ضاعت جماعة أهل السنة ضاعت الأمة، و انهارت الملة، فما فائدة الجماعات، ولا بقاء لأهل السنة إلا كجماعة واحدة قوية، تحرص الدين و تجمع المسلمين.
(يُتْبَعُ)