فهرس الكتاب

الصفحة 17489 من 28557

المحمولات في علم المنطق ليست سوى صيغ محدودة للفهم تفرض حدا للحقيقة بدلا من أن تعبر عنها، والذهن الإنساني يشعر شعورا فطريا بأن المحمولات التي موضوعها الله أو الغيب تخفق في استيعاب الموضوع فمما لا شك فيه أن كل ما يتصوره الإنسان محدود إلا الله فإنه لا يمكنه تصوره كما يتصور ما سواه.

والفهم الإنساني يجد نفسه في مجاله الفطري عندما يحدد المحدود الطبيعي فهذا نشاطه لأنه لا يعرف من الصور إلا ما كان محدودا لكنه يدرك عدم قدرته على التصور إذا كان موضوع التصور هو الله سبحانه وتعالى لا تدركه الأبصار ولا تدرك كنهه العقول كما يقول أهل السنة والجماعة.

ولما كان الله ليس كمثله شيء فإن أي قياس منطقي يكون محموله الله تبقى مقدمات هذا القياس منفصلة عن محمولها ومنعزلة لأنها غريبة عن محمولها الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

إن الفلاسفة يسوقون موضوعاتهم على نسق شمولات وإطلاقات وعليه جعلوا الله هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق،فلهم تصورات شائعة في عقائدهم المنطقية منها يفترضون موضوعاتهم، فخذ أية قضية تجد المحمول محتاج إلى التصور الشائع، وهذه التصورات الشائعة تجدها تحتاج إلى تعريف ثابت ودائم وهم لا يعرفون الله ولا يستطيعون التعريف به لاتهم ينفون صفاته وأسمائه فكيف يعرف بدون صفاته و أسمائه؟ وعليه تجد محمولات القياس الفلسفي الكلامي مناطا لكثير من التأويلات التي يتنازعون حولها و ما كان كذلك لم يصلح أن يكون مقدمة القياس.

فالله سبحانه وتعالى ليس قضية جزئية تقع تحت قياس تمثيلي ولا قاعدة كلية يناط بها الحكم في قياس شمولي إنه رب العالمين و مالك يوم الدين ن لا يحيطون بشيء من علمه و سع كرسيه، كرسيه السموات والأرض.

لا يمكن استبعاد التصور في دراسة الواقع فلكي ننظر في شيء ما يجب أن نكون متصورين له لكنه لا يلزم من ذلك أن يكون للتصور وجود مسبق بالضرورة أو أن يكوّنه العقل بدون مواد من الخارج و الواقع، وعليه فالعلم يكون بالاهتمام بالمضمون الواقعي للتصور لأنه هو المضمون الحقيقي للتصور، فإن تجريد التصور يوقعنا في مكننة الفكر و يتردى بنا في الآلية الصرفة التي لا تنسجم مع نفسية الإنسان و نفسية الفكر، فجرد التصور من كل مضمونه الواقعي يتيه معه الإنسان في مماحكات سخيفة تنتهي به إلى الاستدلال الفارغ من كل مضمون، و إذا كان التصور هو إدراك العقل موضوعه في ماهيته دون إثبات ولا نفي، وقد علمنا أن هذا لا يكون إلا في الذهن فإنه في الخارج لا واسطة بين النفي و الإثبات، ومن هنا لم يكن التصور واقعيا بل كان نظريا بحثا،ففكرة العلة فطرية في الإنسان كما هوة فطري طلبها و العقل يكون فعالا في إدراكها عند ملاحظة اطراد الوقائع.

وبهذا تعرف أن الاستمرار في تحليل الظواهر الذهنية إلى أقصى حد كما هو في المنطق الصوري يكدر العقل البشري ولا ينتج معرفة ذات قيمة واقعية، و التصور تعتريه أحوال النفس فمن جهة قد يكون مجرد وعي بقضية وقد يكون هو فعل العقل كما في التصور الصوري، و يكون موضوعيا عندهم إذا تكون من الماهية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت