فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وعليه، فالإكثار من استخدام هذه الشعارات، والغلو في مدلولاتها يبين مدى ما استغل بعض المسلمين هذه الشعارات الدينية لأهداف غير شرعية، كالترؤس على الناس بغير وجه حق، و الحصول على بعض المزايا، حتى أصبحت عند بعض الأفراد ونتيجة لممارستهم المتعارضة مع مدلولاتها مجرد قوالب لغوية فارغة من المعاني،لأن من عرف الحق رحم الخلق هذا إن عرفه بحق، و أما إذا لم تظهر الرحمة في علمه وكلامه و أفعاله، بل ظهر عليه التشدد و التصلب و الغلو في الذم و تصيد المثالب، فهذا يدلك على أنه لم يعرف الحق المعرفة الواجبة، قال ابن تيمية في"شرح الأصفهانية:"فإن من عرف حقائق أقوال الناس وطرقهم التي دعتهم إلى تلك الأقوال حصل له العلم والرحمة فعلم الحق ورحم الخلق، وكان مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذه خاصة أهل السنة المتبعين للرسول صلى الله عليه وسلم فإنهم يتبعون الحق ويرحمون من خالفهم باجتهاده حيث عذره الله ورسوله، وأهل البدع يبتدعون بدعة باطلة ويكفرون من خالفهم فيها"."
إن الإفراط الذي يظهره بعض الناس في استخدام هذه الشعارات، و تزيين كلامهم بها قادهم حتما إلى التظاهر على أنهم الممثلين الصادقين و الوحيدين لأهل السنة و الجماعة، و بالتالي احتكار الكلام باسم الله ورسوله، لذلك لا تتجاوز مهمتهم العلمية إطار مراقبة غيرهم، والانقضاض عليهم نقدا ونقضا وتجريحا متى اصطادوا ما يعتقدون انه خطأ في العلم أو المنهج، وهم بهذا لا ينتجون اية معرفة حقيقية،و إنما يراقبون من ينتج المعرفة عن طريق الاجتهاد و الدراسة،
و هذا الشعور الزائف لدى هذه الفئة من السلفيين، و النابع من الارتكاز على الشعار الديني بدلا من الدليل العلمي، ولد لديهم عقدة التفوق و التعالي، و التي هي في الحقيقة عقدة نقص أمام كل خطاب علمي دقيق و نزيه،لأن الفوقية العلمية من المفروض بها أن تدفعه إلى الانغماس في المجتمع في جميع مجالاته مادام يملك الحقيقة، ولكنه بخلاف ذلك انزوى على نفسه و تقوقع، واتخذ مجموعة تدابير ليحمي نفسه من مؤثرات الخارجية،دون أن يعمل على إضعاف هذه المؤثرات أو تغيير واقعها.
كذلك ساهمت هذه الشعارات التي يتزين بها هؤلاء في تشتيت أهل السنة و الجماعة، و ضياع طاقاتهم العلمية و العملية في تجاذبها،،وعندما تحولت إلى عقدة فوقية تكمن في نفوس هؤلاء أكسبتهم الجرأة والتهور للهجوم الشرس و العدواني على كل روافد أهل السنة و الجماعة، و قذعهم بأوصاف شتى، حتى أئمة الإسلام و أعلامه لم يسلموا منها، مما يدل على أن هذه الفئة تريد احتكار هذه الشعارات لصالحها، في حين هي ملك لكل المسلمين،لا يقوم الإشكال في التغني بها بل في تقمص معانيها في الواقع.
وعندما أقول: كل روافد أهل السنة فأعني أن عقيدة أهل السنة و الجماعة في مسألة"الأسماء و الأحكام"مبنية على أن المسلمين يتفاضلون في كل شيء: في التصديق، في إيمان القلب: قول القلب و عمل القلب، يتفاضلون في التعظيم، في الخشية، في اليقين، في المعرفة، و كل اعتقاد يعم القلب وكل قول يعم العقل يتفاضل فيه المسلمون، فلزم حتما وضرورة أنهم يتفاضلون في حب السنة، في الدعوة إلى السنة، في فهم السنة، ولذلك كانت أصول الانتماء إلى أهل السنة هي القول بالكتاب و السنة و الإجماع، فمن قال بهذه الأصول فهو من أهل السنة و الجماعة، ثم يتفاضل في العلم بالسنة فمنهم من يعرف السنة جملة و تفصيلا، ويتلقاها في الاعتقاد و الأحكام، ومنهم من يتلقاها في الأحكام، وفي العقائد يتلقى بعضها، و بعضها الآخر يتلقاه من غير هذه المصادر: الكتاب و السنة و الإجماع، أو ما يسمى الدليل العقلي.
وعليه فخطاب أهل السنة و الجماعة الحقيقي خطاب له مستويات، فعندما آتي إلى مسألة من مسائل الصفات و أجد بعض من يقول بأصول أهل السنة و الجماعة يتلقى معتقده من غير هذه الأصول فقوله بلا شك بدعة، ولكن هل هو مجتهد أخطا الأصول أو تلقى قواعد عقلية بدعية ظنها صحيحة ثم لما طردها ابتعد عن معتقد أهل السنة و الجماعة في الصفات،فهذا مستوى.
(يُتْبَعُ)