فهرس الكتاب

الصفحة 17566 من 28557

فإذا كان المعلوم من الدين بالضرورة هو الذي لا يحتاج إلى نظر و استدلال لظهوره ظهورا بينا، فإن كان معلوما من الدين بهذه الكيفية بالنسبة للعامة فهو المعلوم من الدين بالضرورة العام، وإن كان معلوما من الدين بهذه الكيفية بالنسبة لأهل العلم فهو المعلوم من الدين بالضرورة الخاص، أما توقيف الإنكار و الجحود و الإعراض و الاستكبار على النصوص الشرعية حتى تعرف العامة أنها من الدين من غير نظر و لا استدلال فهذا لا وجود له في شريعة الإسلام و إنما هو من تلبيس المبتدعة.

فإن كان أول من استعمل هذا المصطلح الإمام الشافعي ـ رحمه الله ـ فقد نقلنا كلامه بصورة واضحة و قاطعة، فلا يجب الخلط بين المعلومين من الدين بالضرورة.

أنواع الضرورة العلمية:

كذلك يجب التفريق بين المعلوم من الدين بالضرورة الشرعية وهي قد تكون نصا أو إجماعا، و المعلوم بالضرورة الفطرية البديهية، و المعلوم بالضرورة العقلية، و المعلوم بالضرورة من اللغة.

ونحن نعرف أن المعلوم بالضرورة من الدين متوقف على العلم بالدين، فمن له إلمام بالعلم ليس كمن ليس مثله، فأهل الحديث و السنة اعلم بغيرهم بما جاء به الرسول، فعلمهم بالمعلوم من الدين بالضرورة أعظم و اكبر من علم غيرهم، وهذه إحدى حجج أهل السنة في مبحث الآحاد و إفادته العلم و العمل إذا احتفت به القرائن، وهنا يغلط بعض الناس في تحديد القرائن، فإن المقصود بالقرائن عدالة الرواة و ثقتهم و تلقي أهل العلم له، فأهل العلم بالحديث عندهم يقين بأشياء من الدين، قد تكون وردت بخبر الواحد، بسبب ما يحصل لهم من قرائن تتولد لهم من معرفتهم بأحواله و كلامه صلى الله عليه و سلم، فاليقين لا يكتسب من مجرد عدد المخبرين و لكن منه ومن احتفاء القرائن و ظهور صدق الخبر و غير ذلك.

ولو كان الحكم على أهل العلم متوقفا على علم العامة لكان الدين هو الذي تعرفه العامة، وكل ما لا تعرفه العامة ليس من الدين المنزل، وقد كنت بينت في مناسبات سابقة أن الدين ثلاثة أنواع:

دين منزل و دين مؤول و دين مبدل، وما تعلمه العامة قد يكون من هذا كما قد يكون من ذاك، والحجة في الدين المنزل فقط.

بيان أن المتكلمين يخالفون المعلوم من الدين بالضرورة:

فنحن نعرف أن أهل الحديث متفقون على أحاديث الصحيحين إلا أحاديث يسيرة، متفقون عليها لفظا و معنى، كما اتفق المسلمون على لفظ القرآن و معناه، فالأمة اشتركت عامتها و خاصتها في نقل القرآن قرنا بعد قرن، وعندما نسأل عوام الأمة عن معاني القرآن نجدها تعلم بأن الله يسمع حديثها، ويرى أفعالها، و يتكلم، و يعلم، أكثر من علمهم بأحاديث الشفاعة و الربا و الحيض ووجوب الصلاة و تحريم الخمر، و بالتالي من أنكر هذه الصفات فقد أنكر المعلوم من الدين بالضرورة.

و قد نقل المسلمون عن نبيهم صلى الله عليه و سلم أنه كان يرفع يديه عند الدعاء باتجاه السماء، وكلهم يفعل ذلك فيأتي متكلم وينكر العلو و الفوقية، أو يقول: الله في كل مكان، فيخالف المعلوم من الدين بالضرورة.

و إذا علم الصحابة مراد الله و رسوله، و علمنا ذلك بالضرورة، و نقلوه إلى من بعدهم، علمنا أن مخالفة ما علمه الصحابة بالضرورة من الدين مخالف للمعلوم من الدين بالضرورة، فمن خالف المعاني الثابتة عن الصحابة، المجمع عليها عندهم، فقد خالف المعلوم من الدين بالضرورة.

فالأحاديث الصحيحة التي جاء بها النبي صلى الله عليه وسلم، و قالت الأشعرية: إنها تخالف العقل هي مما علم بالاضطرار أن الرسول صلى الله عليه و سلم جاء بها، وما كان معلوما بالاضطرار من دين الإسلام، امتنع أن يكون مردودا غير معلوم المعنى، ومن أنكره كان قوله معلوم الفساد بالضرورة من دين المسلمين، كما بيناه سابقا في مسألة كلام الله و علوه و غيره، مما يثبته عوام المسلمين و يفهموه من القرآن و السنة من غير نظر ولا استدلال.

أما ربط التكفير و حصره في إنكار المعلوم من الدين بالضرورة بدون تفصيل فهو قول ضعيف لا تدل عليه أصول الشريعة ولا واقع الناس، فإذا ثبت تغير المعلوم من الدين بالضرورة كما ونوعا لزم تغير الحكم الموقوف عليه.

و التكفير في الإسلام موقوف على توفر شروط و انتفاء موانع، فقد كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر بعض المسائل، لأنها كانت عندهم من المعلوم بالاضطرار من الدين.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت