فهرس الكتاب

الصفحة 17741 من 28557

إلا أن بولس -والذي كان كافرًا بالمسيح ثم ادعى الإيمانَ به بعد صلبه في زعمهم- اتَّبَعَ طريقةً مداهِنةً لليهود والرومان في آن واحد؛ فأراد أن يَرُدَّ كُلَّ إنسان إلى ذوقه؛ فادَّعى حِلَّ جميع الأشياء قائلًا:"كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء بنافع. كل شيء حلال، ولكن ليس كل شيء يبني"، وتطور منهجه هذا بعد خراب أورشليم عام 70 ميلادية؛ حتى أنتج المسيحيةَ الفلسفيةَ الممتزجةَ بالوثنيةِ الرومانيةِ، وعلى الرغم من أن النصارى لا يرون بأسًا بنسبة هذه الأمور إلى بولس؛ إلا أنهم يفضلون نسبتها إلى المسيح مباشرة (4) .

ولذلك أقحم"مرقص"في إنجيله عبارة تفسيرية في حكايته لحوار بين عيسى -عليه السلام- واليهودِ حول تشددهم بإيجاب غسل اليد قبل الأكل مخالفين شريعة موسى -عليه السلام-؛ فعاب عليهم اتباعَهم لتقليد الشيوخ وتركَ وصية موسى -عليه السلام-، كما عاب عليهم الاهتمامَ بالظاهر على حساب الباطن؛ فأدرج"مرقص"قولَه:"وبهذا بيَّن يسوع أن الأطعمة كلها طاهرة"، والتي ارتأى مترجم النسخة العربية إدراجَها في السياق وكأنها من كلام عيسى -عليه السلام-.

رغم أن القصة بذاتها في إنجيل"متى"فيها أن المسيح -عليه السلام- عاد في نهاية المناقشة ليقرر مقصوده من الكلام بمنتهى الوضوح؛ وهو أنه يريد بيان عدم لزوم غسل اليد قبل الأكل؛ لأن ذلك لم يكن لازمًا في شريعة موسى، وليس مقصودُه نقضَ تشريع موسى -عليه السلام- بحرمة الخنزير.

فعُلِمَ بذلك أن إباحة النجاسات -ومنها الخنزير- أحدُ أهم بلايا التزاوج النَّكِدِ بين النصرانية والوثنيةِ الرومانيةِ، والذي صار هو الدينَ الرسميَّ للإمبراطورية الرومانية على يد الإمبراطور قسطنطين، وعاد قسطنطين يُميِّز بين النصارى البولسيين وسائرِ النصارى، ومعظمهم كان من الموحدين قبل أن يقضي عليهم قسطنطين بأكل الخنزير.

ومن ثمَّ ارتبط الخنزير ارتباطًا وثيقًا بالرومان في وثنيتهم، وفي نصرانيتهم، فلما كشف لهم العلمُ الحديثُ أضرارَه -وكان ذلك بعد بعثة محمد -صلى الله عليه وسلم- وما نزل عليه من تحريم الخنزير، ووصفِه بأنه"رجس"بالمخالفة لنصرانية"بولس"- رأت أوروبا أن الاعتراف بنجاسة الخنازير يمثل طعنة لتاريخ أوروبا كلِّه؛ فاتخذوا التدابيرَ الصحيةَ المشارَ إليها آنفًا؛ كنوع من التمادي في الباطل؛ ثم ابتلاهم الله بأنفلونزا الخنازير، وهي تدل على أن خطر الخنزير لا يقتصر على لحمه بعد مماته، بل خطره قائم في حياته وبعد مماته!!

تُرى أَتُرَاجِعُ الإمبراطوريةُ الرومانيةُ"الأوروبيةُ الأمريكيةُ"نفسَها؛ وتعيد حساباتِها أم تستمر في العناد؛ وتدفع البشريةُ كُلُّها الثمنَ؟؟!!

ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــ

(1) وغالب الظن أن التعليل المذكور في هذه العبارة:"كل ما شق ظلفًا وقسمه ظلفين ويجتر من البهائم؛ فإياه تأكلون"هو مِن كلام الشُّراح، والذين طردوا قاعدتهم فطبقوها على الأرنب -أيضًا-، ومما يدل على أن تحريم الأرنب مِن وضعهم: أن نص تحريمه تضمن مغالطة علمية؛ حيث زعم أنه يجتر، وهو بذلك حسب دعوى اليهود قد حقق أحد شروط الإباحة؛ إلا أن المنع جاء من جهة أنه ليس له ظِلفين، بينما الواقع أنه -أيضًا- لا يجتر!

(2) قرر نائب وزير الصحة الإسرائيلي المتشدد"ياكوف ليتسمان"اعتمادَ تسمية"أنفلونزا المكسيك"بدلًا من"أنفلونزا الخنازير"؛ إذ إن الدين اليهودي يعتبر أن الخنزير حيوان نجس.

وقال"ليتسمان"خلال مؤتمر صِحَافي: "أُفَضِّل استخدامَ كلمة"أنفلونزا المكسيك"؛ حتى لا أضطر إلى التلفظ بكلمة "خنزير"."

(3) نحتج على النصارى بهذه القصة لإيمانهم بها، على الرغم مِن تشككنا بشأنها مع إيماننا بمعجزات عيسى -عليه السلام- مما يفوق هذه القصةَ إعجازًا؛ إلا أن سياق الأناجيل لهذه القصة شابَهُ -كعادتهم في حكاية معجزات عيسى -عليه السلام- التوترُ الشديد والمبالغةُ في الأرقام! وكأن المعجزة لن تكون معجزة في حسهم إلا بالتهويل!! ففي القصة المذكورة: أن شخصًا واحدًا أو اثنين -على اختلاف بين الأناجيل- كان يسكنه -أو يسكنهما- نحوٌ من أَلفَيْ روحٍ شريرة وأنها اشترطت -!!! - على عيسى -عليه السلام- أن يخرجها من هذا الشخص إلى قطيع خنازير، وأن عيسى -عليه السلام- قَبِل بهذا الشرط!!! فأذن للأرواح الشريرة أن تدخل الخنازير؛ فاندفع القطيع إلى البُحَيْرَة ومات في الحال.

"ولم يدفع عيسى -عليه السلام- أيَّ تعويضات لأصحاب القطيع، ولا التزم بالبحث لهم عن عمل بديل، كما يصر بعض المنتسبين إليه مِن أنه لا ينبغي إعدام الخنازير حتى في حالة الوباء إلا بهذه الشروط!!"كما أن في الإذن للأرواح الشريرة بالدخول إلى الخنازير وما ترتب عليه من انتحارها الجماعي في الماء؛ هو نوع من إفساد الماء لا يناسب الأنبياء -فضلًا عن أن النصارى يرون عيسى -عليه السلام- إلهًا وليس نبيًّا-"وهو مخالف لدعوات الحفاظ على البيئة التي يتبناها الغرب الآن!".

(4) يُكثِر النصارى من التشغييب على قضية النسخ في الإسلام مع أنهم يقولون به في مواطن! هذا أحدها؛ فإن تم النسخ على يد عيسى -عليه السلام- كما يزعمون؛ فهو مطابق للنسخ في الإسلام، وإن تم من عند بولس كما هو ظاهر؛ فهو من إعطاء البشر حقَّ نسخ الشرع الإلهي -والعياذ بالله-.

موقع صوت السلف ( http://www.salafvoice.com/)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت