فهرس الكتاب

الصفحة 17911 من 28557

1 -من مخصص خارج عنهما، والمخصص بدوره يحتاج إلى مخصص آخر، وتتسلسل المسألة إلى ما لا نهاية.

2 -وإما أن يكون التخصيص بإختيارهما وليس من مخصص خارج عنهما، وهو محال أيضا؛ لأن الفاعل المختار هو الذى يتأتى منه الفعل والترك بحيث يستطيع كل واحد منهما أن يتصرف في مقدورات الآخر وهو محال؛ لأنه لو تصرف في هذه المقدورات: فإما أن يتصرف فيها بالإيجاد أو بالإعدام:

1 -والإيجاد تحصيل حاصل، كما سبق.

2 -والإعدام يستلزم اضطراب العالم وفساده وتداخل الإرادات والتنازع، كما سبق أيضا.

وبعد: فإذا بطلت كل الإيرادات السابقة فلا يبقى معنا إلا إيراد واحد وهو أنه: لا إله إلا الله، أى لا يوجد إله حق يستحق للعبادة والخضوع والخنوع إلا الله الواحد الأحد؛ لأنه هو الرب الخالق البارىء المصور البديع، وصدق الله إذ يقول {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} الأنبياء22 ويقول: {مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ} المؤمنون91. ويقول: {قُل لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} الإسراء42

ونحن نجد ما ذكرناه آنفا من الإفتراضات الثلاثة السابقة وبطلانها قد ذكرها الله تعالى وأبطلها في كلمات قليلة معجزة:

1 -ففى إبطال الفرض الأول وهو اختلافهما قال: {وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ} المؤمنون91، {إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا} الإسراء42.

2 -وفى إبطال الفرض الثانى وهو اتفاقهما قال: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} الأنبياء22

3 -وفى إبطال الفرض الثالث وهو انقسامهما قال: {إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ} المؤمنون91.

ملاحظات وتنبيهات:

الملاحظة الأولى وهى: أن هذا الدليل قد وجه بعدة انتقادات من بعض المتكلمين من كونه دليل قاصر لتجاهلة لجانب الاتفاق بين الألهة كما حرره الأشعرى أو لأن بعضهم حرره على جهة امتناع الفعل وتوارد مؤثرين على مؤثر واحد والبعض الآخر حرره على جهة امتناع الفاعلين وقد دافع متكلمة الأشاعرة عن هذا الدليل وردوا على هذا الانتقادات، ونحن قد ذكرنا هذا الدليل على صورته الكاملة التى تتحاشا هذه الانتقادات والقصور.

الملاحظة الثانية وهى: أن علماء أهل السنة قد وجهوا أيضا انتقادات لهذا الدليل في مجملها لا تعكر على ذات الدليل من وقوع قصور فيه أو ضعف دلالته - في الغلب منهم - ولكن كان أكثر انتقادهم يتمثل في فساد نية المتكلمين وسوء استخدامهم له، وتنزيلهم له على نص الأية الكريمة {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} الأنبياء22 وغايتهم من اثبات الدليل من مجرد إثبات الربوبية لا الألوهية والصانعية لا العبودية، وأنا أقول: في الحقيقة أن هذا الدليل الذى أراه فيه أنه دليل جيد لإثبات الوحدانية لله تعالى وإذا كان الأمر يتعلق بسوء النوايا وسوء الاستخدام فعلينا نحن بإستخدامه الإستخدام الصحيح وإصلاح نيتنا، وأما أن غاية المتكلمين منه إثبات مجرد الربوبية وحسب وإسقاطهم له على الآيه وخطئهم في تفسير الآية فهذا لا نوافق عليه ولكن نبين الحق أن الآية الكريمة تدل دلالة كبيرة على هذا الدليل بدلالة المفهوم بل والسياق أيضا ونقول أيضا أن الآية تقرر انتفاء وامتناع وجود رب إله مع الله تعالى؛ وذلك لأن إثبات الربوبية يقتضى إثبات الألوهية وإثبات الألوهية يقتضى إثبات الربوبية إذ لا يستحق المعبود الإله العبودية إلا إذا كان ربا خالقا مدبرا مهيمنا، والعكس فإذا ثبتت الربوبية لرب فو يستحق العبودية وهذا ظاهر وبين لا التباس فيه.

الملاحظة الثالثة وهى: أن هذا الدليل يصلح للرد على النصارى في اتخاذ الابن لله - تعالى عن ذلك - ومشاركته لله في أعماله في الدنيا والآخرة، وأنا لست في معرض الرد عليهم فإنا لنا ردودنا المخصصة لذلك، ولكن الذى أحب أن أنوه إليه هو بطلان مشاركة الله تعالى - الذى استحق العبادة في الدنيا - المقاضاة معه في الآخرة ومداينة الناس ومحاسبتهم؛ لأن انتفاء الشركة في الدنيا ينفى المشاركة بعدها وهذا يرد على قول النصارى: {لأَنَّ الآبَ لاَ يَدِينُ أَحَدًا، بَلْ قَدْ أَعْطَى كُلَّ الدَّيْنُونَةِ لِلابْنِ} (يوحنا:5/ 22)

وقولهم: {لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الآبَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، كَذلِكَ أَعْطَى الابْنَ أَيْضًا أَنْ تَكُونَ لَهُ حَيَاةٌ فِي ذَاتِهِ، 27وَأَعْطَاهُ سُلْطَانًا أَنْ يَدِينَ أَيْضًا، لأَنَّهُ ابْنُ الإِنْسَانِ} (يوحنا: 5/ 26 - 27) وأنا لست في معرض مناقشة هذه النصوص وردها بنصوص خصوصية المداينة للرب ونفيها عن الابن، ولكنى أنوه مجرد تنويه لذكرنا للدلالة العقلية التى ذكرناها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت