غير أنَّ هذا الحزب الإشتراكي اليمني الذي كان يسيطر على الجنوب، ترنَّح بعد سقوط الإتحاد السوفيتي بنهاية الثمانينات، لاسيما وأحداث 1986م، كانت قد أضعفته جدًا، ثمَّ وجد العالم كلَّه متجها إلى واشنطن، حيث المعسكر الغربي أصبح يتلقف كلَّ الساقطين من قبضة المعسكر الشرقي، فقرَّر الحزب أن يتَّخذ من اليمن الشمالي جسرًا يعبر عليه إلى المعسكر الغربي عن طريق دول الخليج أيضا، ففعل، مع بقاء صدره مليئا بالتعطش لماضيه الإنفصالي، والإجرامي.
ثمَّ في 22 مايو 1990 م، قامت الوحدة، ولم تمض عليها 3 سنوات، حتى تعالت أصوات الإنفصال، والعودة بالجنوب إلى قيادة الحزب الإشتراكي، وكان وراء تلك الأصوات، نعيقٌ منكر، يُبدي هذا الإنفصال على أنَّه ضرورة للوقوف في وجه (أصولية إسلامية) تستشري في اليمن بسبب تحالفها مع اليمن الشمالي،
ولهذا كان من ضمن ذرائع هذا الحزب ـ إضافة إلى المطالبة بعلمانية الدولة ـ (وجود الجهاديين في اليمن) الذين وصفهم منذ ذلك الوقت بالإرهابيين، والمتطرفين!
وبعد إنتخابات 1993م، اكتسح المؤتمر الشعبي العام، والتجمُّع اليمني للإصلاح، الإنتخابات، فزاد خوف الحزب الإشتراكي من قوة الإسلاميّين.
ثم تدخلت ـ بإعتراف سالم صالح محمد وفق المصدر السابق نفسه ـ دولٌ دولية، وإقليمية، تحرِّض على تقسيم اليمن، وانطلق سالم البيض في جولة إلى دول عربية، وواشنطن، ثم عاد، فقرر التصعيد! وأعلن مع قيادات أخرى مقاطعتهم العودة إلى صنعاء.
واندلعت المواجهات المسلحة منتصف عام 1994م، أعلن خلالها البيض إنفصال الجنوب، وقيام جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، ومجلس رئاسة، وحكومة مؤقتة، غير أنَّ القوات اليمنية اكتسحت كلَّ شيء في زحف عسكري نحو الجنوب، وسقطت عدن ـ رغم تحذير الأمم المتحدة من دخولها ـ فالمكلاّ، حتى أُجهز على مشروع الإنفصال في يوليو 1994م.
والملاحظ أنَّ إيران في ذلك الوقت لم تستنكر الإنفصال، واكتفت بالإعراب عن أسفها لما يحدث!
وكان الهاربون من الجنوب بعد الإجهاز على مشروع الإنفصال عام 1994م، كما أسلفنا، قد فرُّوا إلى دول غربية، وعربية، حتّى تمّ الإعلان في بريطانيا، عن التجمع الديمقراطي الجنوبي تاج، وفُسِّر الموقف السلبي، الأوربي، والأمريكي، منه، على أنه موقف داعم لهذه الحركة الإنفصالية، ولهذا أفصحت هذه الحركة عن مخطّطها بكلِّ وضوح، وهو: تحرير اليمن الجنوبي، المحتل من الشمال!
ثم جاء دور الشيعة، يدعمهم النظام الإيراني في مخططه للتمدد إقليميا، ودوليا، ولشيعة اليمن تاريخ حافل في التحالف مع الحزب الإشتراكي، الذي بدوره لم يزل يؤيّد فتن الحوثيين في صعدة،
فألقوا بثقلهم مع مشروع الإنفصال، لتقسيم اليمن،
إذ كان أيّ إضعاف لوحدة اليمن، سيكون في صالح مشروع الثورة الشيعية فيه، ولأنَّ الإنفصال سيقلل من نسبة التعداد السكاني للسنة، فيجد المخطط الشيعي متسعا يحرِّك فيه فتنته.
ولايخفى ما في صحيفتي (الأمة) ، و (البلاغ) ، الأسبوعيّتين الشيعيّتين في اليمن، من نشر لمذهب الرافضة، والثناء على الثورة الخمينية، وتمجيد زعاماتها، وأنَّ كثيرا من الأقلام فيها، هم من الدارسين في حوزات قم، والصحيفتان إضافة إلى منابر إعلامية أخرى، تتلقى دعما إيرانيا واسعا.
ومعلوم أن المخطّط التوسُّعي الإيراني يتطلَّع إلى الوصول إلى مكَّة، والحرمين، من طريق اليمن بعد تمدُّد شيعي يجد له مكانا في تقسيم اليمن، ثم ينتقل إلى توسُّع أكبر ليشمل السيطرة على جنوب الجزيرة العربية كلَّه.
ليلتقي مع المخطط الشيعي شرق الجزيرة العربية، على طول الساحل من شمال الكويت إلى البحرين، متعانقا مع الهيمنة الشيعية على العراق، ومكمّلا الهلال الشيعي عبر سوريا، ولبنان.
ولهذا فالإيرانيون اليوم هم الذين يحشُّون النار تحت فتنة تقسيم اليمن بكلِّ ما أوتوا من قوّة.
(يُتْبَعُ)