فهرس الكتاب

الصفحة 18012 من 28557

وأمَّا إن كان طالب العلم الناظر فيها متشبعًا بالعلم الشرعي الصحيح ويملك آلة التمييز بين الحقِّ والباطل، والهدى والضلال، واحتاج إلى الاطلاع عليها: إمَّا لدراستها وتحقيق صوابها من خطئها، وإمَّا للردِّ على ما تتضمَّنه من انحرافٍ وزيغٍ وخرافةٍ، فله أن يُقبِل عليها، ويَقْبَل الحقَّ من أيِّ جهةٍ كان، فقد كان من عدل سلفنا الصالح قَبول ما عند جميع الطوائف من الحقِّ ولا يتوقَّفون عن قبوله، ويردون ما عند هذه الطوائف من الباطل، فالموالي منها والمعادي سواء، إذ لا أثر للمتكلِّم بالحقِّ في قبوله أو رفضه، وفي هذا السياق قال ابن القيم -رحمه الله-: «فمن هداه الله سبحانه إلى الأخذ بالحقِّ حيث كان ومع من كان ولو كان مع من يبغضه ويعاديه، ورد الباطل مع من كان ولو كان مع من يحبه ويواليه فهو ممَّن هُدِي لما اختلف فيه من الحق» (4 - «الصواعق المرسلة» لابن القيم:(2/ 516) ( java:AppendPopup(this,' pjdefOutline_4' ) ) ).

وعليه، فلا يجوز الإحالة على كتب المبتدعة ومصنفاتهم إن كان ضررها يماثل نفعها أو أعظم منه، بل الواجب التحذير منها وهجرها، أمَّا إن كان نفعها أعظم من ضررها فله أن يحيل عليها في البحوث والمقالات مع بيان ما حوته من شرٍّ أو فسادٍ إن أمكن، أو تنبيه على جوانب ضررها ولو في الجملة قصد الاحتراز منها على حدِّ قولهم: «اجن الثمار وألق الخشبة في النار» وفي هذا المعنى من تحصيل النفع بمن فيه بدعة يقول ابن تيمية -رحمه الله-: «فإذا تعذر إقامة الواجبات من العلم والجهاد وغير ذلك إلا بمن فيه بدعة مضرتها دون مضرة ترك ذلك الواجب، كان تحصيل مصلحة الواجب مع مفسدة مرجوحة معه خيرًا من العكس، ولهذا كان الكلام في هذه المسائل فيه تفصيل» (5 - «مجموع الفتاوى» لابن تيمية:(28/ 212) ( java:AppendPopup(this,' pjdefOutline_5' ) ) ).

هذا، ولا يقال في حقِّ هذه المصنفات: «خذ الحقَّ منها واترك الباطل» مطلقًا إلاَّ من كان محصنًا بالعلم الشرعي النافع، قادرًا على محاصرة كتب أهل البدع المخالفين لمنهج أهل الحقِّ، وتطويق آرائهم وشبهاتهم، حفظًا لعقيدة المؤمنين من الفساد العقدي، وحماية لقلوبهم من الشبه والتلبيس، وصيانة لعقولهم منها، علمًا أنَّ مشروعية ترك النظر في كتب المخالفين لمنهج أهل الحق إنما تندرج تحت قاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي تعد من أهم أسس هذا الدين وقواعده.

والعلمُ عند اللهِ تعالى، وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، وصَلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وإخوانِه إلى يوم الدِّين، وسَلَّم تسليمًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت