فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
الثاني: أن المنافع الحاصلة للمكلف مشوبة بالمضار عادة كما أن المضار محفوفة ببعض المنافع، ومع ذلك فالمعتبر إنما هو الأمر الأعظم، وهو جهة المصلحة التي هي عماد الدين والدنيا، لا من حيث أهواء النفوس، حتى إن العقلاء قد اتفقوا على هذا النوع في الجملة، وإن لم يدركوا من تفاصيلها قبل الشرع ما أتى به الشرع، فقد اتفقوا في الجملة على اعتبار إقامة الحياة الدنيا لها أو للآخرة، بحيث مُنعوا من اتباع جملة من أهوائهم بسبب ذلك.
هذا وإن كانوا بفقد الشرع على غير شيء، فالشرع لما جاء بين هذا كله، وحمل المكلفين عليه طوعًا أو كرهًا، ليقيموا أمر دنياهم لآخرتهم.
الثالث: أن المنافع والمضار عامتها أن تكون إضافية لا حقيقية، ومعنى كونها إضافية، أنها منافع أو مضار في حال دون حال، وبالنسبة إلى شخص دون شخص، أو وقت دون وقت، فكثير من المنافع تكون ضررًا على قوم لا منافع، أو تكون ضررًا في وقت أو حال، ولا تكون ضررًا في آخر.
وهذا كله بيّن في كون المصالح والمفاسد مشروعة أو ممنوعة، لإقامة هذه الحياة، لا لنيل الشهوات، وإقامة هذه الحياة ليس لها وإنما للآخرة. ولو كانت موضوعة لنيل الشهوات، لم يحصل ضرر من متابعة الأهواء، ولكن ذلك لا يكون، فدل على أن المصالح والمفاسد لا تتبع الأهواء.
الرابع: أن الأغراض في الأمر الواحد تختلف، بحيث إذا نفذ غرض بعض وهو منتفع به، تضرر آخر لمخالفة غرضه، فحصول الاختلاف في الأكثر يمنع من أن يكون وضع الشريعة على وفق الأغراض، وإنما يستتب أمرها بوضعها على وفق المصالح مطلقًا، وافقت الأغراض أو خالفتها.
ولقد أطلت الكلام في هذه المسألة، وأكثرت من النقول فيها، نظرًا لأهميتها وخطورتها، ودعوة الحاجة إلى تقعيدها وتجليتها، خصوصًا في هذا الزمن الذي عمد فيه الجهلة والعلمانيون والمستغربون إلى الإسلام ينقضونه عروة عروة، وإلى شريعته الغراء فيهملونها حكمًا حكمًا، كل ذلك باسم المصلحة.