فهرس الكتاب

الصفحة 18286 من 28557

فإن الشيخ أبا عبد الرحمن ذكر في [حقائق التفسير] من الإشارات التي بعضها كلام حسن مستفاد، وبعضها مكذوب على قائله مفترى، كالمنقول عن جعفر وغيره، وبعضها من المنقول الباطل المردود، فإن إشارات المشايخ الصوفية التي يشيرون بها تنقسم إلى إشارة حالية ـ وهي إشارتهم بالقلوب ـ وذلك هو الذي امتازوا به، وليس هذا موضعه.

وتنقسم إلى الإشارات المتعلقة بالأقوال، مثل ما يأخذونها من القرآن ونحوه، فتلك الإشارات هي من باب الاعتبار والقياس، وإلحاق ما ليس بمنصوص بالمنصوص، مثل الاعتبار والقياس، الذي يستعمله الفقهاء في الأحكام، لكن هذا يستعمل في الترغيب والترهيب، وفضائل الأعمال، ودرجات الرجال، ونحو ذلك، فإن كانت الإشارة اعتبارية من جنس القياس الصحيح كانت حسنة مقبولة، وإن كانت كالقياس الضعيف كان لها حكمه، وإن كان تحريفًا للكلام عن مواضعه، وتأويلًا للكلام على غير تأويله، كانت من جنس كلام القرامطة والباطنية والجهمية، فتدبر هذا، فإني قد أوضحت هذا في [قاعدة الإشارات] .

الوجه الثالث: في تناقضه، فإنه قال: التأويل منقول عن ابن عباس، وأنس، وسالم، ولم يذكر إلا ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه هادي أهل السموات والأرض، وقد ضعف ذلك، فإن كان المنقول هو هذا الضعيف فياخيبة المسعى؛ إذ لم ينقل عن السلف في جميع كلامه إلى هنا شيئًا عن السلف، إلا هذا الذي ضعفه وأوهاه.

وإن كان المنقول عن هؤلاء الثلاثة أنه منور السموات بالكواكب، كان متناقضًا من وجه آخر، وهو أنه قد ذكر فيما بعد أن هذا روى عن ابن عباس في رواية أخرى، وأبي العالية والحسن أنه منورها بالشمس والقمر والنجوم، وهذا يوجب أن يكون المنقول عن ابن عباس، والاثنين أولًا غير المنقول عنه في رواية أخرى، وعمن ليس معه في الأولى.

وإن كان نوره بالحجج الباهرة والأدلة كان متناقضًا، فإن هذا هو معنى الهادي؛ إذ نصبه للأدلة، والحجج هي من هدايته، وهو قد ضعف هذا القول فما أدرى من أيهما العجب! أمن حكايته القولين اللذين أحدهما داخل في معنى الآخر؟ أم من تضعيفه لقول السائل الذي يوجب تضعيف الاثنين ـ وهو لا يدري أنه قد ضعفهما جميعًا؟! فيجب على الإنسان أن يعرف معنى الأقوال المنقولة، ويعرف أن الذي يضعفه ليس هو الذي عظمه.

الوجه الرابع: أنه قد تبين أنه لم ينقل عن ابن عباس وأنس وسالم إلا القول الذي ضعفه أو ما يدخل فيه؛ فإنه إن كان قولهم: الهادي، فقد صرح بضعفه وإن كان مقيم الأدلة فهو من معنى الهادي، وإن كان المنور بالكواكب فقد جعله قولًا آخر، وإن كان ما ذكره عن بعض العارفين فهو ـ أيضًا ـ داخل في الهادي، وإذا كان قد اعترف بضعف ما حكاه عن ابن عباس وأنس وسالم لم يكن فيه حجة علينا، فتبين أن ما ذكره عن السلف، إما أن يكون مبطلًا في نقله أو مفتريًا بتضعيفه، وعلى التقديرين لا حجة علينا بذلك.

الوجه الخامس: أنه أساء الأدب على السلف؛ إذ يذكر عنهم ما يضعفه وأظهر للناس أن السلف كانوا يتأولون، ليحتج بذلك على التأويل في الجملة، وهو قد اعترف بضعف هذا التأويل، ومن احتج بحجة وقد ضعفها وهو لا يعلم أنه ضعفها فقد رمى نفسه بسهمه، ومن رمى بسهم البغي صرع به {وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .

الوجه السادس: قوله هذا يبطل دعواه: أن التأويل دفع الظاهر ولم ينقل عن السلف، فإن هذا القول لم أقله، وإن كنت قلته فهو لم ينقل إلا ما عرف أنه ضعيف، والضعيف لا يبطل شيئًا. فهذه الوجوه في بيان تناقضه وحكايته عنا ما لم نقله.

وأما بيان فساد الكلام فنقول: أما قوله: يجب تأويله قطعًا فلا نسلم أنه يجب تأويله، ولا نسلم أن ذلك لو وجب قطعي، بل جماهير المسلمين لا يتأولون هذا الاسم، وهذا مذهب السلفية، وجمهور الصفاتية، من أهل الكلام والفقهاء والصوفية وغيرهم، وهو قول أبي سعيد بن كلاب ذكره في الصفات، ورد على الجهمية تأويل اسم النور، وهو شيخ المتكلمين الصفاتية من الأشعرية ـ الشيخ الأول ـ وحكاه عنه أبو بكر بن فُورَك في كتاب [مقالات ابن كلاب] ، والأشعري، ولم يذكرا تأويله إلا عن الجهمية المذمومين باتفاق، وهو ـ أيضًا ـ قول أبي الحسن الأشعري ذكره في [الموجز] .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت