فهرس الكتاب

الصفحة 18465 من 28557

فمقصود الشريعة هو اصلاح المجتمع بايجاد الأفراد الصالحين والجماعة الصالحة وايجاد الدولة الصالحة ومن أجل ذلك جاءت نصوصها أرفع من مستوى العالم كله وقت نزولها والى الآن أما القوانين الوضعية فالمقصود الأول لها تنظيم المجتمع لتحقيق المصالح العاجلة ولو بموافقة أهواء النفوس فيما يعود عليها بالضرر

ولذا يجب على المجتمع الاسلامي أن يطبق شرع الله في كل مناحي الحياة تطبيقا كاملا في حال القدرة على ذلك

الوجه الرابع:

ان الحياة البشرية لا تستقيم الا اذا استقت عقيدتها وعبادتها وشعائرها ومعاملاتها وسائر شؤونها من المصدر التشريعي الرباني وعليه فانه لا يمكن لمؤمن أن يزعم أنه أعلم وأحكم من خالقه جل وعلا فيطالب بتأجيل خضوع العباد لشرع ربهم وأن يكتفوا باقامة شعائره حتى تصلح أحوالهم فيأخذوا بشرائعه وهو يعلم (( أن دين الله لم يأت ليكون مجرد عقيدة في الضمير ولا ليكون مجرد شعائر تعبدية تؤدى في المحراب فهذهوتلك-على ضرورتهما للحياة البشرية وأهميتهما في تربية الضمير البشري-لا يكفيان وحدهما لقيادة الحياة وتنظيمها وتوجيهها وصيانتها مالم يقم على أساسهما منهج ونظام وشريعة تطبق عمليا في حياة الناس ويؤخذ الناس بها بحكم القانون(الالهي) والسلطان ويؤاخذ الناس على مخالفتها ويؤخذون بالعقوبات ))الظلال ج2/ص 895

الوجه الخامس:

أنه من المعلوم أن المجتمع الاسلامي اذا لم يأخذ بالشريعة الاسلامية قبل مرحلة التهيؤ المزعومة في جميع نواحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية فانه سيأخذ حتما بالقوانين التي هي من وضع البشر لأنه من الثابت أنه لا يمكن لأي مجتمع أن يبقى هكذا هملا بدون قوانين وتشريعات تنظم شؤون حياته وتحكم العلاقات بين أفراده واذا أخذ المجتمع الاسلامي في مرحلةالتهيؤ بالقوانين الوضعية فانه لن تصلح أحواله ولن يتحقق له التهيؤ المنشود لوجود الكثير من العيوب والنقائص التي توصم بها تلك القوانين والتي تثبت عدم قدرتها على التشريع وعدم صلاحيتها للتطبيق وما تعيشه معظم البلاد الاسلامية المعاصرة من حالات الانحراف عن الدين وشيوع المعاصي والمنكرات والموبقات والمسارعة في الاثم والعدوان والفساد في مختلف نواحي الحياة لهو أنصع دليل على عقم تلك القوانين الوضعية وعدم قدرتها على اصلاحالمجتمع الاسلامي المعاصر فكيف والحالة هذه يمكن تهيئة المجتمع لتطبيق الشريعة؟ ومتى يصلح مجتمع يعيش حالة كهذه الحالة الا أن تتداركه رحمة الله؟

ان حال هذا المجتمع يحتاج الى اجتثاث أصول الفساد فيه وذلك باحلال النظم والتشريعات الصالحة الميسرة للاصلاح في المجتمع وهذه النظم لا توجد الا في شريعة الخالق-جل وعلا-بمصادرها الأصلية وقواعدها العامة ومبادئها السامية

الوجه السادس:

أنه اذا كان القصد -كما يقول أصحاب هذا الاتجاه-اعداد المجتمع الاسلامي وتهيئته ليكون مجتمعا صالحا في جميع نواحيه السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية .... قبل تطبيق الشريعة فلا شك أنه على الفرض الوهمي لو تحقق ذلك بدون تطبيقها فما مبرر تطبيقها اذن-فيما بعد- في نظر هؤلاء؟

الوجه السابع:

ادعاء أن الشريعة الاسلامية لم تطبق تطبيقا كاملا في أي مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامي بما فيها المرحلة الأولى منه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم انما هو ظلم كبير للحقيقة واتهام خطير لرجالات الاسلام عامة -وعلى رأسهم النبي صلى الله عليه وسلم - عبر تاريخه الطويل بعد الالتزام بتطبيق شريعة رب العالمين تطبيقا كاملا في كل مناحي الحياة سواء كان ذلك قبل اكتمال نزول الوحي أو بعده

أما قبل اكتمال نزول الوحي فقد طبق صلى الله عليه وسلم كل ما أنزل اليه من أحكام الشرع في حينه ولم يثبت عنه أنه أرجأ تنفيذ شيئ من تلك الأحكام اذا نزل الوحي بذلك مع أنه كان بين المسلمين في بداية نزول الوحي في العهد المكي مذبذبون دائما ومع ذلك كانت تطبق عليهم الشريعة

وأما بعد اكتمال نزول الوحي: فقد كانت تكونت الدولة والحكومة الاسلامية الأولى على يد النبي صلى الله عليه وسلم واكتمل التشريع الاسلامي واستوى نظاما شاملا تبين للناس فيه كل ناحية من نواحي الاسلام الادارية والقضائية والاقتصاديةوالاجتماعية وسنت المبادئ والنظم التي نظمت المجتمع الاسلامي -آنذاك- وأقامته على الأسس التي أرادها الله لعباده وتجلى للملأ كل جانب من جوانب الحكم والسياسة الداخلية والخارجية لحكومة النبي صلى الله عليه وسلم التي طبق فيها الشريعة بحذافيرها وتمثل الحكم الاسلامي فيها تمثيلا تحولت بفضله المدينة المنورة في ثماني سنوات الى دولة عظيمة مترامية الأطراف بسطت جناح رحمتهاعلى بلاد العرب كلها ولو كان أمر الشريعة جائز الارجاء لما طبق صلى الله عليه وسلم شيئا منها فور دخوله المدينة

والمتأمل سيرته صلى الله عليه وسلم يرى مدى التزامه المطلق الصادق بالشريعة الالهية الموحاة اليهمن ربه عزوجل فلم يؤثر عنه صلى الله عليه وسلم أنه حاد عن تطبيق نص قرآني في واقعة واحدة ولا جزء من واقعة حتى ما كان يمس شخصه الكريم أو أقرب الناس اليه فقد كان النموذج الأعلى والأكمل الذي لا ترقى اليه المقارنة في مراقبة الحق وتطبيق الشرع على الناس مع تحري مدلول النص ومفهومهوعلته وبيان ذلك للناس ولم يقتصر تطبيقه لأحكام الشرع على مجال دون غيره بل كانت حياة المجتمع المسلم في عهده محكومة في كل مجالاتها بالشريعة الالهية الشاملة الهادية سةاء كان ذلك في مجال السياسة أو في مجال المال والاقتصاد أو في مجال القضاء أو في غيرها من المجالات

وسار الخلفاء الراشدون رضوان الله عليهم على نهج النبي صلى الله عليه وسلم في شمول تطبيق الشريعة تطبيقا كاملا على جميع مجالات الحياة وعلى جميع أفراد الأمة ولم يثبت عنهم أنهم فرطوا في تطبيق أي حكم شرعي أو تساهلوا في تطبيقها تطبيقا كاملا أو في الخروج على شيئ منها أو في تطبيق حكم مخالف لها

وظلت الشريعة الاسلامية -بوجه عام- نظاما عاما شاملا للحياة في معظم المجتمعات الاسلامية طوال عصور الاسلام المختلفة الى ما قبل فترة الانحراف الواسع الذي شهده القرن الرابع عشر الهجري بقليل

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت