فهرس الكتاب

الصفحة 18527 من 28557

وكان بجوار هؤلاء المفكرين الإسلاميين يوجد من يطلق عليهم (باحثون في شئون الجماعات الإسلامية) وهو لقب كان منذ فترة حكرًا على الأكاديميين السياسيين المعنيين بدراسة الحركات الإسلامية دون أن ينتموا إليها واقعًا؛ بل ربما كان من شروطه ألا يكون من المنتمين إلى الحركة الإسلامية كأن يكون علمانيًّا أو على الأقل قوميًّا وكان هؤلاء يقدمون أيضًا أوراق عمل للحركة الإسلامية في صورة نصائح هي في واقع الأمر إملاءات بالقبول بالعلمانية أو القومية على الأقل إذا أرادوا أن يقبلهم المجتمع المدني على المستوى المحلى والنظام العالمي على الصعيد الدولي.

ولكن ومع تطور المساحة الإعلامية المتاحة للإسلاميين وجد جيل جديد ممن يمثلون هجينًا من الفريقين المشار إليهما آنفًا حيث إنهم يحملون لقب باحث في شئون الجماعات الإسلامية؛ ولكنهم في ذات الوقت ينتمون إليها انتماءً عامًّا، وحتى من كان له توجه خاص حرص على إخفائه حتى لا ينتقل من خانة باحث في شئون الجماعات الإسلامية إلى خانة أنه أحد كتاب الاتجاه الفلاني أو العلاني.

واستعار هؤلاء كثيرًا من أساليب النقاد الأدبين والرياضيين ونحوهم في عالم الإعلام؛ حيث يستر الناقد انتماءه ويدعي حيادًا مزعومًا ثم يوزع مدحه وذمه بالتساوي ظاهريًّا؛ وإن كان هذا لا يمنع القراء من اكتشاف الانتماء الحقيقي للناقد من ثنايا كلامه.

وإذا كان كلام فئة المفكرين المستقلين نظريًّا في الأعم الأغلب إلا أنه في النهاية كان يمثل رؤية يمكن أن تقبل منها وتدع؛ بل حتى نصائح الأكاديميين كانت تمثل شروطًا لاندماج الإسلاميين في المجتمع المدني قبلها من قبلها ورفضها من رفضها، وما أحراها بالرفض!

ولكن كلام جيل النقاد لا تكاد تجد فيه فائدة تذكر إلا لمز كل العاملين في الساحة الإسلامية، وإلا تكرار ما يأخذه كل فصيل إسلامي على الآخر؛ علمًا بأن كل فريق إسلامي له رؤيته المتكاملة، فإذا أخذ الإخوان على السلفيين السلبية من وجهة نظرهم فإنهم ينخرطون في أعمال محددة يرونها إيجابية، وهي أعمال يرى السلفيون عدم جدوى معظمها، في حين يرون البعض الآخر من خلاف التنوع الذي يؤيد السلفيون فيه الإخوان؛ بل ويشاركونهم فيه وإن لم يكن بنفس الدرجة كأعمال الإغاثة وغيرها.

وحينما يأخذ السلفيون على الإخوان عدم الاهتمام الكافي بالتأصيل النظري، بل والقبول بالمساومات على الصعيد العملي فإنهم يقدمون مشروعهم العلمي والدعوي والتربوي.

وأما إخواننا النقاد فهم يتناقلون النقد المتبادل بين الاتجاهين، وكأن الإعلام الإسلامي صار صورة من صفحات النقد الأدبي والفني والرياضي في الصحف العامة.

ونحن بدورنا نسأل إخواننا النقاد الصحويين المنتمين إلى الصحوة (1) :

هل لكم رؤية محددة في قضايا العمل الإسلامي؟ فإذا كانت الإجابة: لا .. فتلك هي المصيبة العظمى أن ينصح الناصح وهو لا يدرى الوجهة التي يريد أن يوجه المنصوح إليها.

وإنها لكارثة أن يتعامل الإنسان مع قضايا أمته بحياد فلا يرى في ذلك رأيًا. إن الحياد إن ادُّعي من ناقد رياضي ربما تُصور ذلك منه مع أن معظم الناس لا يصدقون ذلك الحياد المزعوم. وأما أن يُدَّعى من مهتم بأمر أمته فهذا في غاية البعد لا سيما ونحن نتكلم عن أفكار وليس عن عواطف.

وإن كانت الإجابة: بنعم .. فنقول لهم:"لم لا تعلنون رؤيتكم واضحة في كل قضية وإن لم يلزم أن تكون كل رؤاكم موافقة لرؤية فصيل إسلامي معين فقط؟ عندما تتناولون موضوعًا وضِّحوا فيه رؤيتكم بأدلتها ثم عرِّجوا على الرؤى الأخرى بمناقشة أدلتهم؛ بدلا من الوصف المحشو باللمز والذي يضر ولا ينفع".

والخلاصة:

أنه من المتصور وجود كاتب إسلامي له رؤيته الخاصة؛ ولكن من غير المتصور وجود ناقد إسلامي ينقد الجميع دون أن يبين البديل من وجهة نظره؛ مع أن الكتاب الإسلاميين قد لا يكون لكلامهم الأهمية الكبرى؛ لا سيما فيما يتعلق بالحركة والدعوة والتربية إلا إذا خاضوا غمار التجربة العملية.

ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــ

(1) السؤال غير موجه إلى أحد بعينه، وإن كان أكثر المعنيين به مواقع الانترنت التي تُعنى بشئون الجماعات الإسلامية، والمواقع الإخبارية المعنية بالشأن الإسلامي.

من موقع صوت السلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت