وهذا هو الأصل، لكنه قد يكون لعالم عذر في إسرار شيء من العلم، لا تعيه العامة، واجتماع الناس أولى, شريطة ألا يكون في ذلك طمس لحكم الشر ع، وليس فيه تبديل لكلام الله, من تحليل ما حرم الله, أو تحريم ما أحل الله، وإخفاء ذلك لا يكون إلا لبعض الجزئيات التي ليست هي أصول الدين وكلياته, ولذلك ذكر القاضي ابن أبي يعلى في كتابه الطبقات أن هارون الأنطاكي قال: كنت عند الإمام أحمد _ عليه رحمة الله تعالى _, وربما أخرج إلي شيئا من أحاديث السلطان, فيقول لي:"يا أبا جعفر هذا خيط رقبتي فانظر كيف"يعني لا تُشْهِرهُ.
وكذلك قد ذكر الخلال قال: كان الحسن أبو علي الثعلبي صاحب حظوة عند الإمام أحمد, وله به أُنْسٌ شديد, قال الثعلبي: كنت إذا دخلت على أحمد يقول: إني أفشي إليك ما لا أفشيه إلى ولدي ولا إلى غيره, فأقول له: لك عندي ما قاله العباس لابنه عبد الله: إن عمر يكرمك ويقدمك فلا تفشي له سرًا، قال: فإن أمت فقد ذهب, وإن أعش فلن أحدث بها عنك قال: فكان يفشي له أشياء كثيرة.
ولذلك اعتمادهم على مصلحة عظمى, وهي اجتماع كلمة الأمة, وتآلفهم وقربهم, ما لم يضيع ذلك أصلًا من أصول الدين، ويحدث تبديلًا لشرع الله, فاجتماع الأمة على قول مرجوح خير من اقترافها على قولٍ راجح, ما لم يكن ذلك في الأصول العظام وكليات الدين، ولم يقتضي ذلك تبديلًا لشرع الله, أو تحليل لما حرم الله, أو تحريما لما أحل الله.
وهذه قاعدة مهمة ينبغي أن تُفْهَم بشروطها وقيودها.
ولذلك فإن الأصول الكلية في الإسلام, أصول الديانة, والضروريات التي أمر الله - عز وجل - بحفظها وهي الدين والعقل والمال والنفس والعرض - هي أهم ما ينبغي حفظه وصونه وإظهار أحكام الله فيه، وهي ما أمر الله بحفظه وصيانته من التبديل والتحريف وهي مهمة العلماء القائمين بأمر الله.
أسأل الله _ عز وجل _ أن يوفقني وإياكم لمرضاته وهو الموفق المؤيد, وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.
انتهى
[1] ـ رواه مسند أحمد (5/ 196) ورواه أبو داود (3641) , والترمذي (2682) , وابن ماجه (223) من حديث أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ.
(يُتْبَعُ)