فهرس الكتاب

الصفحة 18745 من 28557

فالذي يجب حُسنُ معرفته هو أن علم الجرح والتعديل -الذي حفظ الله به السنةَ- ليس بنشر القال والقيل، وحب تتبع العورات وتقصد افتراء الأباطيل، واتهام الأفاضل بغير حجة ولا دليل، وإسقاطِ نُظَّار أهل السنة تِباعًا من غير برهان قاطع ولا تفصيل، فهذا - ومثله - كله لا يصدر إلا من صغار أحداث مجاهيل، مفتقرين للتقعيد والتأصيل، ولم يُجعل هذا العلم لمثل هذه الأصناف، من المتعالمين الأنصاف، البعيدين عن العدل والإنصاف، وإنما المعنيون به هم أصحابه وأهله الراسخون العارفون به، من العلماء الكبار [40] الذي حري بهؤلاء الصغار أن يرجعوا إليهم في تلك الأمور العظام، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (البركة في أكابركم) [41] فلا يجوز لهؤلاء ولا ينبغي لأمثالهم أن يتكلموا في المشكلات الشائكات التي تضّل عندها الأفهام وتزّل فيها الأقدام ولا ينفع فيها النِّدام، ومِثل هذا لا يصلح له إلا من كان ذو علم وفِهام للأدلة والأحكام، قادرًا على الإستنباط وتقدير المصالح من المفاسد مع تطبيقها بِحكمة ونصح وإرشاد والله الموفق لما فيه الصلاح والرشاد.

قال فضيلة الشيخ العلامة صالح بن فوزان الفوزان - حفظه الله: (لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يشتغلوا بالتبديع والتفسيق، لأن ذلك أمر خطير، وهم ليس عندهم علم ودراية في هذا الموضوع، وأيضا هذا يُحْدِثُ العداوةَ والبغضاءَ بينهم. فالواجبُ عليهم الإشتغالُ بطلب العلم، وكف ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مضرة عليهم وعلى غيرهم) [42]

فالمقصود أن المسائل المعضلات المشكلات التي لا يُدرك فيها الباطل من الحق كل أحد لا يجوز أن يدخل فيها أي أحد، أما المسائل الواضحات والمنكرات الظاهرات والبدع المعلومات فلابد من كل أحد أن يُبلِّغ حسب ما عَلِمَ وقَدِر!

وإن كانت أغلب هذه النقولات عن العلماء ليست أدلة في حد ذاتها، ومنهج السلف الصالح يأبى أن تكون كذلك، كون أن الدليل عندهم قال الله قال رسوله قال الصحابة، ولكنْ نستأنس بأقوالهم ونستنير - كما قالوا قديمًا: أقوال العلماء معتَبرة - لاسيما إن تظافرت بنفس القوة في المسألة الواحدة، فكأنها تنهل - بل تنهل قطعًا - مِن مَنبع واحد وتَصُبُّ في مجرى واحد، فبذلك يمكن أن نستخلص أن لأهل العلم منهج يجب أن يُتَّبع في مثل هذه المسائل، ورحم الله امرءًا عرفها فلزمها.

وما أحسن قول الإمام الصنعاني - رحمه الله - إذ يقول:

على ما جعلتم أيها الناس ديننا:: لأربعة لا شك فيفضلهم عندي

هم علماء الأرض شَرقا ومَغْرِبا:: ولكن تقليدهم فيغد لا يجدي

ولا زعموا حاشاهموا أن قولهم:: دليل فيستهديبه كل من يهدي

بل صرّحوا أنّا نقابل قولهم:: إذا خالفالمنصوص بالقدح والرد

ولعله يَحسُن فِي خِتَام هذه السطور المتواضعة أن أنقل كلامًا جامعًا للحافظ ابن عساكر الدمشقي- رحمه الله - إذ يقول: (واعلم يا أخي وفقنا الله وإياك لمرضاته، ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته، أن لحوم العلماء رحمة الله عليهم مسمومة، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة، لأن الوقيعة فيهم بما هممنه براء أمره عظيم، والتناول لأعراضهم بالزور والإفتراء مرتع وخيم، والإختلاق على منإختاره الله منهم لنعش العلم خلق ذميم، والإقتداء بما مدح الله به قول المتبعين منالإستغفار لمن سبقهم وصف كريم، إذ قال مُثنيا عليهم في كتابه وهو بمكارم الأخلاقوصدها عليم،) وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (والإرتكاب لنهيالنبي صلى الله عليه وسلم عن الإغتياب وسب الأموات جسيم،) فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [27] ( http://www.kulalsalafiyeen.com/vb/newreply.php?do=newreply&noquote=1&p=31988#_ftn27) [43]

وكلمة جامعة أخرى للإمام ابنُ القَيِّم - رحمه الله - إذ يقول في الوابل الصيب: (وَاعلَم أنَّ الحسرَةَ كُلَّ الحسرَةَ الإشتِغَالُ بمن لا يَجُرُّ عليكَ الإشتغالُ به إلا فَوتُ نَصِيبِكَ وحَظِّكَ منَ اللَِّه عزَّ وجَلَّ، وانقِطَاعكَ عنهُ، وضَياعُ وقتكَ عليكَ، و شَتاتُ قلبِكَ وضعف عزيمتكَ، وتَفرُّقُ هَمِّكَ. فإذَا بُليتَ بهَذا - ولابدَّ لك منهُ- فعَامِل اللهََ تعالى فيهِ، واحتسب عليه ما أمكَنكَ، وتقرَّب إلى اللهِ تعالىبمرضاتِه فيه، واجعَل اجتمَاعكَ به متجرًا لك، لا تجعَلهُ خسارةً، وكن معهُ كرجُلٍ سائِرٍ في طَريقِه عرضَ لهُ رجُلٌ أَوْقَفَهُ عن سَيرهِ، فَاجتهِدْ أنْ تَأخُذَهُ معَكَ وتسيرَ به، فتحمِله ولا يَحملُك، فإنْ أبَى ولم يَكُنْ في سيرهِ مَطْمَعٌ، فَلا تَقفْ مَعهُ بلْ اركَب الدَربَ وَدَعهُ ولاتَلتَفِتْ إلَيهِ، فإنَّهُ قَاطِعُ الطَّريق ولَو كَانَ منْ كان، فَانْجُ بقَلْبِكَ وضن بِيَوْمِكَ ولَيْلَتكَ، لا تَغرُب عَلَيكَ الشَمسُ قبْلَ وُصُولِ المنزلة، فَتُؤخَذ أَوْ يَطلع عَليكَ الفَجرُ وَ أَنْتَ في المنزلَة فَيسِيرُ الرِّفاقُ تَصبِح وحدَكَ وأنَّى لَكَ اللَّحاقُ بهِم.)

هذا ما يسر الله كتابته على عُجالة، وأسأل الله أن أكون قد وفيتُ حقه وإن كانت المسألة تستدعي أكثر من هذا وأطول، لكنه لضيق الوقت وخشية السأم فضلت الإختصار على التطويل والله الموفق لما فيه الخير الجميل، وللكلام بقية بإذن الله العزيز الحليم، وصلى الله على نبيّنا الصادق الأمين وعلى آله وصحبه والتابعين، والحمدلله رب العالمين.

الأربعاء 8 رجب 1430هـ

الموافق: 1/ 7/2009م

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت