فهرس الكتاب

الصفحة 18915 من 28557

قال ابن كثير (774 هـ) في مقدمة كتابه"البداية والنهاية": (ورَفَع السماوات بغير عَمَدٍ، وزيَّنها بالكواكب الزَّاهِرَات، وجعل فيها سِراجًا وقمرًا منيرًا، وسوَّى فوقهُنَّ سَرِيرًا، شَرْجَعًا(18) عاليًا مُنِيفًا مُتَّسِعًا مُقَبَّبًا مُستَديرًا، هو العرش العظيم، له قوائِمُ عِظامٍ، تحمِلُه الملائكة الكرام) (19)

أما تفسير بعض الفرق المبتدعة للعرش بأنه المُلْك، وأنه السماوات والأرض وكل خلق الله، فقد رد عليه الإمام الحافظ عثمان الدارمي (280 هـ) فقال في كتابه"الرد على الجَهميَّة"في «باب الإيمان بالعرش» :

(وما ظَنَنَّا أنَّا نضطر إلى الاحتجاج على أحد ممن يدعي الإسلام في إثبات العرش والإيمان به حتى ابتلينا بهذه العصابة الملحدة في آيات الله فشغلونا بالاحتجاج لما لم تختلف فيه الأمم قبلنا وإلى الله نشكو ما أوهت هذه العصابة من عرى الإسلام وإليه نلجأ وبه نستعين.)

ثم قال:(فادعت هذه العصابة أنهم يؤمنون بالعرش ويقرون به لأنه مذكور في القرآن فقلت لبعضهم ما إيمانكم به إلا كإيمان ?الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ? [المائدة: 41] وكالذين ?وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُون?َ [البقرة: 14] ، أتقرون أن لله عرشا معلوما موصوفا فوق السماء السابعة تحمله الملائكة والله فوق كما وصف نفسه بائن من خلقه؟ فأبَى أن يقر به كذلك، وتردد في الجواب، وخلط ولم يُصرِّح ... فقال لي زعيم منهم كبير: لا، ولكن لما خلق الله الخلق، يعني السموات والأرض وما فيهن، سمَّى ذلك كله عرشا له واستوى على جميع ذلك كله.

قلتُ: لم تَدَعُوا مِن إنكار العرش والتكذيب به غاية، وقد أحاطت بكم الحُجج من حيث لا تدرون، وهو تصديق ما قلنا إن إيمانكم به كإيمان ?الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ? [المائدة: 41] . فقد كَذَّبَكم الله تعالى به في كتابه، وكذَّبكم به الرسول صلى الله عليه وسلم. أرأيتم قولكم: إن عرشه سماواته وأرضه وجميع خلقه، فما تفسير قوله عندكم: ?الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ? [غافر: 7] ؟ أحَمَلَةُ عرش الله أم حَمَلةُ خلقه؟ وقوله ?وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ? [الحاقة: 17] أيحملون السموات والأرض ومن فيهن أم عرش الرحمن؟ فإنكم إن قلتم قولكم هذا، يلزمكم أن تقولوا: عرش ربك خَلْقُ ربك أجمع، وتُبطِلون العرش الذي هو العرش، وهذا تفسير لا يشك أحد في بُطوله واستِحالَته، وتكذيب بعرش الرحمن تبارك وتعالى.

فقال الله تبارك وتعالى ?خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاء? [هود: 7] وقال رسول الله: "كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء" [صحيح البخاري] ففي قول الله تعالى، وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم دلالة ظاهرة، أن العرش كان مخلوقا على الماء، إذ لا أرض ولا سماء، فَلِمَ تُغالِطُون الناس بما أنتم له مُنكِرون؟! ولكنكم تُقِرّون بالعرش بألسنتكم تحَرُّزًا من إكفار الناس إيّاكم بِنَص التنزيل، فتُضرَبَ عليه رِقابُكُم، وعند أنفسكم أنتم به جاحدون. ولعمري لئن كان أهل الجهل في شكٍّ من أمْرِكُم، إن أهل العلم من أمركم لَعَلَى يقين.)

ثم ذكر مجموعة من الأحاديث وقال: (ففي ما ذكرنا من كتاب الله عز و جل، وفي هذه الأحاديث بَيَانٌ بَيَّن أن العرش كان مخلوقا قبل ما سواه من الخلق وأن ما ادَّعى فيه هؤلاء المعطلة، تكذيبٌ بالعرش وتخرصٌ بالباطل، ولو شئنا أن نجمع في تحقيق العرش كثيرا من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين لجَمَعنا. ولكن عَلِمنا أنه خَلُص عِلْم ذلك والإيمان به إلى النساء والصبيان إلَّا إلى هذه العصابة الملحدة في آيات الله، طَهَّر الله منهم بلاده وأراح منهم عباده.) (20)

الإيمان بالعرش:

قال خُشَيش بن أصرم (253 هـ) في كتابه"الاستقامة": (من كفر بآية من كتاب الله فقد كفر به أجمع، فمن أنكر العرش فقد كفر به أجمع، ومن أنكر العرش فقد كفر بالله، وجاءت الآثار بأن لله عرشا وأنه على عرشه.) (21)

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت