ففي (( صحيح مسلم ) )أنَّ الله جَلَّتْ قدرتُهُ - كما روى أبو هريرةَ عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - يُفَتِّحُ أبوابَ الجنةِ في كل اثنين وخميس, فيغفرُ اللهُ ربُّ العالمين للمؤمنين إلا رجلًا كانت بينه وبين أخِيهِ شحناءُ - كانت بينه وبين أخيه بغضاءُ - فيقول اللهُ جَلَّ وعَلَا: أَنْظِرَا - أي: أَجِّلَا, أي: دَعَا, أي اتركا - هذين حتى يصطلِحَا. فلا ينعمانِ بالغفرانِ الذي يلحقُ غيرَ المشاحنين في كل اثنين وخميس, إذ تُفَتَّحُ أبواب الجنة, وإذ تَهُبُّ نسماتُ نفحاتِ, رحماتِ اللهِ ربِّ العالمين.
إنَّ العلماءَ - رحمةُ الله عليهم - يصيرونَ في جملتِهِم إلى ما رواه ابنُ أبي شامةَ عن أبي بكر بن العربي المالكي - رحمةُ الله عليه - سواءٌ في (( العارضة ) )أو في (( الأحكام ) )يقول: إنَّه لم يصح في ليلة النصف من شعبان حديثٌ يساوي سَمَاعَهُ. يقولُ: إنَّه لم يصح في ليلةِ النصفِ من شعبان حديثٌ يساوي سماعه.
وأمَّا الشيخُ الإمامُ - رحمه الله - فإنَّه في (( السلسلة الصحيحة ) )بعد ما تَتَبَّعَ مستقرئًا طُرُقَ الحديثِ فأربت على ثماني طُرُق, نظرَ فيها وبحثَ فيها مستقصيًا مستقرئًا حتى خَلُصَ في المنتهى إلى قولِهِ - رحمه الله: ومِنْ هذا الاستقصاءِ نعلمُ أنَّ الذين قالوا من أهلِ العلمِ بأنَّه لم يصح في ليلةِ النصفِ حديثٌ إنَّما أوتوا من عدمِ بذلِ الجهد في استقصاءِ الطُرُقِ وتَتَبُّعِهَا كما ترى فيما بين يدَيك. فهذا ما قاله - رحمه الله -.
وعليه فإنَّ الصَّنْعَةَ الحديثيةَ تقضي في المنتهى بأنَّه صحَّ في ليلةِ النصفِ أحاديث منها: ما هو مذكورٌ بطُرُقِهِ عن جملةٍ من الأصحابِ: «أنَّ الله جَلَّتْ قدرتُهُ يَطَّلِعُ ليلةَ النصفِ إلى خَلْقِهِ, فيغفرُ لجميعِ خَلْقِهِ إلا لمشركٍ أو مُشاحن» . ثم ما قالَهُ أبو ثعلبةَ يرفعُهُ إلي النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أنَّ الله جَلَّتْ قدرتُهُ يَطَّلِعُ إلى خَلْقِهِ في ليلةِ النصف من شعبان فيغفرُ للمؤمنينَ, ويُملي للكافرينَ, ويدعُ أهلَ الحقدِ بحقدِهِم حتى يدعُوهُ» . ولكنَّ الحديثَ الذي أخرجَهُ ابنُ ماجه في سننِهِ عن عليٍّ - رضوان الله عليه - يرفعُهُ إلى النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنَّ اللهَ جَلَّتْ قدرتُهُ عَلَّمَهُ - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - من لدنه علمًا فهو يبلغُهُ لا يكتمُهُ, وإنَّما يؤديه أداءً للأمانةِ ونُصحًا للأمَّةِ فيقول: «إذا كانت ليلةُ النصفِ من شعبان فقوموا ليلَهَا, وصوموا نهارَهَا» . فهذا حديثٌ موضوع, في سندِهِ ابن أبي سَبْرَةَ, قال فيه الإمامان أحمدُ وابنُ معينٍ - رحمهما الله جلَّ وعَلَا: كان يضعُ الحديث - يعني: ابن أبي سَبْرَةَ -. فكان يكذبُ على النبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم ويضعُ الأحاديثَ, وهذا حديثٌ مكذوبٌ موضوعٌ لا يصحُّ بشيءٍ من وجوهِ الصِّحَةِ, بل إنَّه لا يقعدُ عن مرتبةِ الضعفِ إذ يتنزلُ إلى مرتبةِ الوضعِ والكذبِ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم.
فإذن؛ ليس معنى أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم دَلَّنَا على أنَّ ليلةَ النصفِ ليلةٌ شريفةٌ يعطي فيها اللهُ ربُّ العالمينَ من قبساتِ أنوارِ رَحَمَاتِهِ خَلْقَهُ, وأنَّ اللهَ تبارك وتعالى لا يُفيضُ هذا العطاءَ على المشركينَ ولا على المشاحنين, وإنما جمعَهُمَا في قرنٍ, ويا بؤسَ ما جُمِع, وقد جعلَ اللهُ ربُّ العالمين المشركَ مع المشاحنِ في خندقٍ واحدٍ, فلا يغفرُ اللهُ ربُّ العالمين في ليلةِ النصفِ - مع عمومِ المغفرةِ لجميعِ أهلِ الأرضِ - لا يغفرُ لمشركٍ ولا لمشاحن, مَنْ عندَهُ البغضاءُ في قلبِهِ, ومَنْ انطوى صدرُهُ على الغِلِّ والحقدِ والحسدِ فهذا بِمَبْعَدَةٍ عن المغفرةِ.
وفي (( صحيح سنن ابنِ ماجه ) )عن عبدِ الله بن عمرو - رضي الله عنهما: «قيل للنبيِّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: من أفضلُ الناس؟ فقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: كلُّ مَخْمُومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ - كلُّ مخمومِ القلب صدوق اللسان هذا أفضلُ الناس -, فقالوا: يا رسولَ اللهِ صدوق اللسان عرفناه, فما مخمومُ القلب؟ قال النبيُّ صلى الله عليه وعلى آله وسلم: هو التَّقِيُّ النَّقِيُّ الذي لا إثمَ فيه ولا بغي ولا غِلَّ فيه ولا حسد» .
(يُتْبَعُ)