فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وانقضى شهر, ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يزال في حيرة من أمرها, وريب من قصتها, ودوامة من الأوهام, تقض عليه مضجعه ومنامه, وتؤرق سهاده, وتبلبل يومه وشأنه, يتطلع الى الوحي, ويتشوق الى الرؤيا, عله يجد فيهما فرجا مما هو فيه من ضيق النفس وهمّ البال, ومخرجا من حالة القلق.
اذا كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تبارك وتعالى على الاطلاق يعيش لحظات قلق وترقب لأكثر من شهر من الزمن بساعاته ودقائقه وثوانيه, فما نحن فاعلين نحن المغموسين ذنوبا من رؤوسنا حتى أخمص قدمينا؟
وانقضى اليوم الأول بعد الشهر ولا ينزل وحي السملء عليه السلام ولم تتح الرؤيا له صلى الله عليه وسلم, فمال الى استشارة الأصحاب, واستفتاء الخلص, وسأل صلى الله عليه وسلم أول ما سأل أم المؤمنين السيدة زينب بنت جحش, وعلى الرغم من أنّ زينب هي أخت حمنة وضرة السيدة عائشة رضي الله عنهنّ, الا أنها شهدت فيها خيرا وقالت قولة الحق: أحمي وسمعي وبصري يا رسول الله, والله ما علمت عليها الا خيرا.
ثم سأل صلى الله عليه وسلم حبّه وابن حبّه أسامة بن زيد رضي الله عنهما, فقال: يا رسول الله! سل جاريتها بربرة تصدقك الخبر.
وأتى النبي صلى الله عليه وسلم بربرة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: هل رأيت شيئا يريبك؟ فقالت: والذي بعثك بالحق ما رأيت منها أمرا أغمضه (أعابه) عليها قط, أكثر من أنها جارية حديثة السن, تنام على العجين فتأتي الداجن فتأكله.
هكذا استشار النبي صلى الله عليه وسلم من حولهو وبعد أن فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الاستشارة والاستطلاع, ولم ير من أحد من يعيب الطاهرة المطهرة رضي الله عنها أو يؤذيها حتى بكلمة, خرج الى المسجد واعتلى المنبر مغضبا, وبعد أن حمد الله تبارك وتعالى وأثنى عليه, قال عليه الصلاة والسلام: أيها الناس! ما بال رجال يؤذونني في أهلي, ويقولون عليهم غير الحق, والله ما علمت منهم الا خيرا, وقد ذكروا رجلا ما علمت منه الا خيرا, وما يدخل بيتا من بيوتي الا وهو معي.
ثم ذهب عليه الصلاة والسلام الى عائشة في منزل أبيها فوجدها تبكي, ووجد عندها امرأة من الأنصار تبكي معها, وعندها أبواها رضي الله عنهم أجمعين, فسلم عليها ثم قال عليه الصلاة والسلام: يا عائشة! انه قد كان ما بلغك من قول الناس, فاتقي الله, فان كنت قد فارقت سوءا بما يقول الناس فتوبي الى الله يقبل التوبة من عباده.
ولم تجبه رضي الله عنها, بل التفتت الى أبيها وقالت: اجب عني رسول الله.
فقال رضي الله عنه: والله ما أدري ما أقول.
فالتفتت الى أمها وقالت: أجيبي عني رسول الله, فقالت أمها ما قاله أبوها رضي الله عنهم.
وحين لم ترى من أبويها قولا يدفع عنها التهمة ويمزق خيوط الشك والريبة التي نسجت حولها, نطقت وقالت: والله ما أعلم أهل بيت دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر في هذه الآيام, ثم أجهشت في البكاء وخنقت صوتها الدموع والعبرات, واردفت تقول: والله لا أتوب الى الله بما ذكرت أبدا, والله اني لأعلم لئن أقررت بما يقول الناس, والله يعلم اني لبريئة, لأقولنّ ما لم يكن, ولئن أنكرت ما يقول الناس لا تصدقوني, وعادت الى بكائها وحاولت أن تتذكر اسم يعقوب عليه السلام فلم تسعفها الذاكرة وهي في هذا الوضع المأساوي التي هي فيه فقالت: ولكني أقول لكم كما قال أبو يوسف: فصبر جميل , والله المستعان على ما تصفون
وأطرق رسول الله صلى الله عليه وسلم, وسكت أبوها واجما, وتنهدت أم رومان رضي الله عنهم, وبينما هم على تلك الحال حتى تغشى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يتغشاه حين نزول الوحي عليه السلام, فسجّي في ثوبه صلى الله عليه وسلم, ووضعت وسادة تحت رأسه صلى الله عليه وسلم, عندها علمت عائشة رضي الله عنها بأنّ الوحي سيفصل في أمرها, ويجلو غامض الشك عن قضيتها التي شغلت الناس مدة, وآذت رسول الله صلى الله عليه وسلم وصاحبه رضي الله عنه أذى بليغا, فترقبت رابطة الجأش, مطمئنة النفس, واثقة بأنّ الله تعالى ومن فوق سبع سموات سيبرئها.
أما أبواها رضي الله عنهم ما كادا يحسان بنزول الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اضطرب قلبيهما ومادت الأرض تحت أقدامهما, مخافة أن يصدق الوحي حد\يث الناس بالسوء وتكون الكارثة والطامة الكبرى.
ثم سري عنه صلى الله عليه وسلم وقطرات العرق تنحدر من جبينه الطاهر الشريف مثل حبات اللؤلؤ فنزيده مهابة واشراقا, سري عنه وهو صلى الله عليه وسلم يبتسم وينظر الى زوجه رضي الله عنها ويقول: أبشري يل عائشة, لقد أنزل الله تعالى براءتك في قرآن يتلى بين الناس, ثم أخذ صلى الله عليه وسلم يقرأ آيات الله البينات:
انّ الذين جاؤوا بالافك عصبة منكم, لا تحسبوه شرا لكم, بل هو خير لكم, لكل امرىء ما اكتسب من الاثم, والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم ... ولما أتم رسول الله صلى الله عليه وسلم قراءة الآبات الكريمات انشرح صدر أبي بكر وتنفست أم رومان رضي الله عنهما الصعداء.
وأقسم ابو بكر رضي الله عنه ألا يصل بعد اليوم مسطح بن أثاثة فلا يعطيه كما كان يعطيه من قبل, ولا يكلمه لمقابلته الاحسان بالاساءة, فانزل الله تبارك وتعالى آيات بينات هي تتمة حديث الافك في سورة النور يحضّ على الصلة والبر والاحسان بقوله عزوجل: ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولوا القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله, وليعفوا وليصفحوا , ألا تحبون أن يغفر الله لكم, والله غفور رحيم.
فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلى أحبّ أن يغفر الله لي, وعاد الى سابق عهده من الخير والصلة وكفّر عن يمينه.
لاتنسونا من دعوةٍ خفيةٍ بظهر الغيب ولكم مثل أجرها ان شاء الله تعالى