فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وما أن اوت الملكة الى مخدعها وقد استعدت الى النوم حتى فوجئت بلفافة مطروحة على سريرها, وما أن فتحتها حتى قرأت ما فيها, وما كادت تأتِ على آخر جملة منها حتى تغيّرت معالم وجهها, وأخذت تتلفت يمنة ويسرة علها تجد اجابة لسؤالها: كيف وصلت الرسالة الى سريرها, وما أن لبثت أن هدأت ونامت وهي تكرر قراءة قوله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم.
ومع انبلاج ضوء الصباح حتى أوعزت الى كبرى وصيفاتها تملي عليها الأمر بأن تستدعي جميع أعضاء مجلس الحكم والشورى لعقد جلسة طائة في منهى الأهمية, وما أن اجتمع الجمع حتى جلست على عرشها ثم قصّت عليهم قصة الرسالة التي وجدتها على سريرها, ولأنذ الملكة تعلم قوة سليمان عليه الصلاة والسلام ونفوذه وسلطانه , وانه جادٌّ بتحذيره وانذاره, فقد جمعت مستشاريها لاتخاذ موقف موحد فيما بينهم, فقالت لهم: يا أيها الملأ! اني أعلم وبحكم خبرتي وتجربتي أنّ الملوك اذا دخلوا قرية أفسدوها , وانا لا اريد لبلدي أن يتعرض لمحنة قاسية على أيدي سليمان وجنوده, واني سأرسل له هدية من خلالها أختبر حقيقة نواياه, فوافقوها رأيها ومعالجتها للأمر, ثم جمعت ما قلّ حمله وارتفع ثمنه من الجواهر واللآليء وكل شيء نفيس, وبعثت بها الى سليمان عليه الصلاة والسلام, وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى:
قالت يا أيها الملأ اني أُلقيَ اليَّ كتابٌ كريم * انه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم * ألّا تعلوا عليَّ وأْتوني مسلمين * قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنتُ قاطعةً أمرًا حتى تشهدون * قالوا نحنُ أولوا قوةٍ وأولوا بأسٍ شديد والأمرُ اليكِ فانظري ماذا تأمرين * قالت انّ الملوك اذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعزّةَ أهلها أذلّةً, وكذلك يفعلون * واني مرسلةٌ اليهم بهديّةٍ فناظرةٌ بمَ يرجِعُ المرسلين
تُرى ماذا سيكون وقْعُ الهدية على نفس سليمان عليه الصلاة والسلام فيما لو كان ملكا من ملوك الدنيا الطامعين في الحكم والسلطان والسيطرة والنفوذ والجاه؟ مؤكد أنه سيفرح بهدية الملكة وسيغضُّ الطرف عنها ويطوي الأمر وكأنه لم يكن, لكننا هنا مع نبي من أنبياء الله عزوجل, المترقي فوق ماديات الحياة والبشر, نبيٌّ سما فوق الذهب والفضة والجواهر وكل ما في الدنيا من نفيس.
وما أن بلغ رسل الملكة بيت المقدس حاملين هداياهم , دخلوا على سليمان عليه الصلاة والسلام فرحين مزهوين بها , وما أن قدموها اليه حتى قال عليه الصلاة والسلام لهم قوله تعالى:
أتمدوننِ بمالٍ فما آتانِ اللهُ خير ٌ مما آتاكم, بل أنتم بهديتكم تفرحون * ارجعْ اليهم فنأتينهم بجنودٍ لا قِبَلَ لهم بها ولنُخرِجَنَّهُمْ منها أذلةً وهم صاغرون
ثم قال عليه الصلاة والسلام قوله تعالى: قال يا أيها الملأ أيُّكمْ يأتيني بعرشها قبل أنْ يأْتوني مسلمين * قال عفريتٌ من الجنِّ أنا آتيكَ به, قبلَ أنْ تقومَ من مقامكَ, واني عليه لقويٌّ أمين *
لكنّ سليمان عليه الصلاة والسلام يريد سرعةً أكبر من سرعة العفريت, وما أن أشاحً بوجهه عن العفريت حتى قام آخر عنده علم أوسع من علم العفريت وقال أنا أتيك به قبل أن ترمش عيونك, وما أن رىه سليمان عليه الصلاة والسلام أمامه حتى شكر الله عزوجل بكل ضراعة وايمان وخشوع على هذا الفضل الكبير الذي تفضّلَ به الله عزوجل عليه وأنعم عليه به, وهذا ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله تعالى:
قال الذي عندهُ , علمً من الكتابِ أنا آتيكَ بهِو قبلَ أنْ يرتدَّ اليكَ طَرْفُكَ , فلما رآهُ مستقرًا عندهُ, قال هذا من فضل ربي ليبلونيّ أأشكرُ أمْ أكفرُ, ومنْ شكرَ فانما يشكرُ لنفسه, ومن كفرَ فانّ ربي غنيٌّ كريم.
في هذه الأثناء وبعد أن ردّ سليمان عليه الصلاة والسلام هدية الملكة , كانت قد هيأت نفسها وجمعت كبراء حاشيتها, وغادرت مملكتها متوجهة الى بيت المقدس في موكب ملكي مهيب, رغبةً منها في السلم قبل أن ينفذ سليمان عليه الصلاة والسلام تهديده وتحذيره وانذاره لها ولشعبها, وما أن دخلت بيت المقدس معلنة ولاءها دون أن تدري ماذا حلّ بعرشها وأنه قد سبقها بالصول الى بيت المقدس بقدرة من أمره بين الكاف والنون, بقدرة عزيز مقتدر سبحانه وتعالى عما يشركون.
(يُتْبَعُ)