فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والجواب عن هذا أن نقول: نحن نعلم والحمد لله أن هناك فرقًا بين الإطلاق والتعيين، وأن الشخص المعين لا يكفر إلا إن قامت عليه الحجة التي يكفر تاركها، وبعد أن تتوفر فيه شروط التكفير وتنتفي موانعه، ولكن اعلموا أنتم أن القول بعدم تكفير المعين مطلقًا بدعة، وأن الشخص المعين إن قامت عليه الحجة وتوفرت في حقه شروط التكفير وانتفت موانعه أنه يجب تكفيره، وإلا لم يقم حد الردة على أحد في الإسلام، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.
وقد ألف الإمام محمد بن عبدالوهاب -رحمه الله- رسالة في هذا الموضوع وهي"مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد"ومما قال -رحمه الله-:"وأنا أذكر لفظه الذي احتجوا به على زيفهم، قال -رحمه الله- -يعني شيخ الإسلام-:"أنا من أعظم الناس نهيًا أن ينسب معين إلى تكفير أو تبديع أو تفسيق أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرا تارة، وفاسقا أخرى وعاصيا أخرى"انتهى كلامه. وهذه صفة كلامه في المسألة في كل موضع وقفنا عليه من كلامه لا يذكر عدم تكفير المعين إلا ويصله بما يزيل الأشكال أن المراد بالتوقف عن تكفيره قبل أن تبلغه الحجة، وأما إذا بلغته حكم عليه بما تقتضيه تلك المسألة من تكفير أو تفسيق أو معصية" (عقيدة الموحدين(54 ) ) .
وقال بعده بقليل:"على أن الذي نعتقده وندين الله به ونرجو أن يثبتنا عليه أنه لو غلط هو أو أجل منه في هذه المسألة، وهي مسألة المسلم إذا أشرك بالله بعد بلوغ الحجة، أو المسلم الذي يفضل هذا على الموحدين، أو يزعم أنه على حق، أو غير ذلك من الكفر الصريح الظاهر الذي بينه الله ورسوله، وبينه علماء الأمة، أنا نؤمن بما جاءنا عن الله ورسوله صلى الله عليه وسلم من تكفيره ولو غلط من غلط. فكيف والحمد لله ونحن لا نعلم عن واحد من العلماء خلافًا لهذه المسألة" (عقيدة الموحدين(55 ) ) .
وقال في نفس الرسالة أيضًا (عقيدة الموحدين(70 ) ):"ولم يسمع أحد من الأولين والآخرين أن أحدًا أنكر شيئًا من ذلك، أو استشكل لأجل ادعائهم الملة، أو لأجل قول لا إله إلا الله، أو لأجل إظهار شيء من أركان الإسلام إلا ما سمعنا من هؤلاء الملاعين في هذه الأزمان من إقرارهم أن هذا هو الشرك ولكن من فعله أو حسنه أو كان مع أهله، أو ذم التوحيد، أو حارب أهله لأجله، أو أبغضهم لأجله أنه لا يكفر لأنه يقول لا إله إلا الله، أو لأنه يؤدي أركان الإسلام الخمسة، ويستدلون بأن النبي صلى الله عليه وسلم -سماها الإسلام- هذا لم يسمع قط إلا من هؤلاء الملحدين الجاهلين الظالمين، فإن ظفروا بحرف واحد من أهل العلم أو أحد منهم يستدلون به على قولهم الفاحش الأحمق فليذكروه، ولكن الأمر كما قال اليميني في قصيدته:"
أقاويل لا تعزى إلى عالم فلا
تساوي فلسًا إن رجعت إلى نقض
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين -حفظه الله-: هل يجوز إطلاق الكفر على الشخص المعين إذا ارتكب مكفرًا؟ فأجاب قائلًا:
"إذا تمت شروط التكفير في حقه جاز إطلاق الكفر عليه بعينه، ولو لم نقل بذلك ما انطبق وصف الردة على أحد، فيعامل معاملة المرتد في الدنيا، هذا باعتبار أحكام الدنيا، أما أحكام الآخرة فتذكر على العموم لا على الخصوص" (مجموع فتاوى ورسائل الشيخ(2/ 125 ) ) .
وبعد هذا فإننا نقول: ائتونا بشرط مفقود أو مانع موجود.
* ثالثًا: كذلك من الأمور التي يوردونها قضية التسلسل في التكفير، فيقولون إن تكفير الحاكم بغير شريعة الله يلزم منه تكفير الوزراء، وتكفير الجيش والشرطة وتكفير الموظفين بل وتكفير عامة الناس .. وهلم جرًا.
والجواب: أن هذه اللوازم لا تلزمنا لأننا لم نكفر المشرع إلا لكونه ارتكب ناقضًا من نواقض الإسلام، فهل كل هؤلاء ارتكبوا ناقضًا من النواقض؟ .. إن من أشرك بالله أو كفر به فإنه يكفر بعد إقامة الحجة عليه سواء كان حاكمًا أو وزيرًا أو عاملًا أو خادمًا أو كائنًا من كان، فمن حرم الحلال، أو حلل الحرام أو شرع ما لم يأذن به الله فإنه يكفر ولو كان من عامة الناس.
وهكذا من رضى بهذا التشريع وهذا الحكم لا شك في كفره أيضًا كائنًا من كان.
ونقول أيضًا أننا لا نكفر بالله باللازم، فلازم المذهب ليس بمذهب إلا أن يلتزمه صاحب المذهب، ونقول كما قال الحافظ ابن حجر:"أن الذي يحكم عليه بالكفر من كان الكفر صريح قوله، وكذا من كان لازم قوله وعرض عليه فالتزمه، أما من لم يلتزمه وناضل عنه، فإنه لا يكون كافرًا، ولو كان اللازم كفرًا" (فتح المغيث(2/ 69 ) ) .
ولو سلمنا لكم جدلًا أنه يلزم من عمل بعض ذكرتم الرضا بهذه القوانين الوضعية لقلنا لا نكفره إلا إذا التزم هذا على أننا لا نسلم في الكثير من هذه اللوازم.
فقضية التسلسل في التكفير ما هي إلا شبهة يردون بها الحق، وهب أن بعض الناس تسلسل في تكفيره فما الذي يضرنا أصلًا إن كنا نبرؤ من ذلك كما نبرؤ من الغلو في الإرجاء وسائر الأهواء المضلة؟
* رابعًا: ومن المفاهيم التي يجب أن تصحح القول بأنه ثمرة التكفير أعني تكفير الحاكم الجائر المبدل لأحكام الله هي الخروج، والخروج أمر غير وارد لنقص أسبابه، فما الفائدة إذًا من التكفير؟
والجواب: نعم إن الخروج على الحاكم إذا ظهر منه الكفر البواح والتغيير بالشرع واجب مع القدرة، قال القاضي عياض:"فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية وسقطت طاعته ووجب على المسلمين خلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك" (شرح مسلم للنووي(12/ 229 ) ) .
وقال النووي بعد نقله لكلام القاضي عياض السابق:"وحجة الجمهور أن قيامهم للحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غير من الشرع، وظاهر من الكفر".
والشاهد من كلامهما أنهما ذكرا تغيير الشرع من موجبات الخروج وذلك إن وجدت القوة والقدرة الكافية لإزالته وأمنت الفتنة، ولم يترتب على الخروج مفسدة أعظم، ولكن أين الأحكام الأخرى المتعلقة في حكم المرتد، والتي ذكرها أهل العلم وقرروها في كتب الفقه من انتفاء ولايته، وتحريم ذبيحته، وتحريم تزويجه، ومنع التوارث بينهم وبين المسلمين، وغير ذلك وأعظم هذه الأحكام وأكبرها وأهمها أنه طاغوت بل من رؤوس الطواغيت يجب الكفر به وبتشريعه والتبري منه وبغضه.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.