وقتل الخطباءُ والأئمةُ، وحملةُ القرآنِ، وتعطلت المساجدُ والجماعاتُ والجمعاتُ مدة شهورٍ ببغداد [البداية والنهاية: 13/ 203]
وكان هدفُ ابنِ العلقمي"أن يزيلَ السنةَ بالكليةِ وأن يظهرَ البدعةَ الرافضة، وأن يعطلَ المساجدَ والمدارسَ، وأن يبني للرافضةِ مدرسةً هائلةً ينشرون بها مذهبهم فلم يقدرهُ اللهُ على ذلك، بل أزال نعمتهُ عنه وقصف عمره بعد شهورٍ يسيرةٍ من هذه الحادثةِ، وأتبعه بولدهِ" [البداية والنهاية: 13/ 202 - 203] .
فتأمل هذه الحادثةَ الكبرى والخيانةَ العظمى، واعتبر بطيبةِ بعضِ أهلِ السنةِ إلى حد الغفلةِ بتقريبِ أعدى أعدائهم، وعظيمَ حقدِ هؤلاءِ الروافضِ وغلهم على أهلِ السنةِ، فهذا الرافضي كان وزيرًا للمستعصمِ أربعَ عشرةَ سنة، وقد حصل له من التعظيمِ والوجاهةِ ما لم يحصل لغيرهِ من الوزراءِ، فلم يجد هذا التسامحَ والتقديرَ في إزالةِ الحقدِ والغلِ الذي يحملهُ لأهلِ السنةِ، وقد كشف متأخروا الرافضةِ القناعَ عن قلوبهم، وباحوا بالسرِ المكنون فعدوا جريمةَ ابنِ العلقمي والنصيرِ الطوسي في قتل المسلمين من عظيمِ مناقبهما عندهم.
فقال الخميني في الإشادةِ بما حققهُ نصيرُ الطوسي:".. ويشعرُ الناسُ (يعني شيعته) بالخسارةِ .. بفقدانِ الخواجةِ نصيرِ الدينِ الطوسي وأضرابهِ ممن قدم خدماتٍ جليلة للإسلامِ" [الحكومة الإسلامية: ص 128] .
والخدماتُ التي يعني هنا هي ما كشفها الخوانساري من قبله في قولهِ في ترجمةِ النصيرِ الطوسي:"ومن جملةِ أمرهِ المشهورِ المعروفِ المنقولِ حكايةً استيزاره للسلطانِ المحتشمِ .. هولاكو خان .. ومجيئهِ في موكبِ السلطانِ المؤيدِ مع كمالِ الاستعدادِ إلى دارِ السلامِ بغداد لإرشادِ العبادِ وإصلاحِ البلادِ .. بإبادةِ ملكِ بني العباسِ، وإيقاعِ القتلِ العامِ من أتباعِ أولئك الطغام، إلى أن أسالَ من دمائهم الأقذار كأمثالِ الأنهارِ، فانهار بها في ماءِ دجلة، ومنها إلى نارِ جهنم دارِ البوارِ" [روضات الجنات: 6/ 300 - 301، وانظر أيضًا في ثناء الروافض على النصير الطوسي النوري الطبرسي / مستدرك الوسائل: 3/ 483، القمي / الكنى والألقاب: 1/ 356] .
فهم يعدون تدبيرهُ لإيقاعِ القتلِ العامِ بالمسلمين، من أعظمِ مناقبهِ، وهذا القتلُ هو الطريقُ عندهم لإرشادِ العبادِ وإصلاحِ البلادِ، ويرون مصيرَ المسلمين الذي استشهدوا في هذهِ"الكارثة"إلى النارِ، ومعنى هذا أن هولاكو الوثني وهو الذي يصفه بالمؤيدِ، وجنده هم عندهم من أصحابِ الجنةِ؛ لأنهم شفوا غيظ هؤلاء الروافضِ من المسلمين، فانظر إلى عظيمِ هذا الحقدِ!! حتى صار قتلُ المسلمين من أغلى أمانيهم .. وصار الكفارُ عندهم أقربَ إليهم من أمةِ الإسلامِ.
هذه قصةُ ابنِ العلقمي أوردتها معظمُ كتبِ التاريخِ [وانظر أيضًا في قصة تآمره: ابن شاكر الكتبي / فوات الوفيات: 2/ 313، الذهبي / العبر: 5/ 225، السبكي / طبقات الشافعية: 8/ 262 - 263 وغيرها] ، وأقرتها كتبُ الرافضةِ، وأشادت بها .. ومع ذلك فقد حاول الراوفضُ المعاصرين توهين القصةِ والطعنَ في ثبوتها، وحجتهُ أن الذين ذكروا الحادثةَ غير معاصرين للواقعةِ، وحينما جاء على من ذكر الحادثةَ من معاصريها مثل: أبي شامة شهابِ الدين عبدِ الرحمن بنِ إسماعيل (ت665 هـ) كان جوابُهُ عن ذلك بأنهُ وإن عاصرَ الحادثةَ معاصرةً زمانيةً، لكنه من دمشق فلم تتوفر فيه المعاصرةُ المكانيةُ [انظر: محمد الشيخ الساعدي / مؤيد الدين بن العلقمي وأسرار سقوط الدولة العباسية، وقد ساعدت جامعة بغداد على نشر الكتاب] .
وهي محاولةٌ لردِ ما استفاض أمرُهُ عند المؤرخين، كمحاولتهم في إنكارِ وجودِ ابنِ سبأ، وقد بحثتُ في كتبِ التاريخِ فوجدتُ شهادةً هامةً لأحدِ كبارِ المؤرخين تتوفرُ فيه ثلاثُ صفاتٍ:
الأولى: أن الشيعةَ يعدونهُ من رجالهم.
والثانية: أنه من بغداد.
والثالثة: أنه متوفى سنة 674 هـ.
فهو شيعي بغدادي معاصرٌ للحادثةِ؛ ذلك هو الإمامُ الفقيهُ علي بنُ أنجب المعروف بابنِ الساعي الذي شهد بجريمةِ ابنِ العلقمي فقال:"... وفي أيامهِ (يعني المستعصم) استولت التتارُ على بغداد، وقتلوا الخليفة، وبه انقضت الدولةُ العباسيةُ من أرض العراقِ، وسببهُ أن وزيرَ الخليفةِ مؤيدَ الدين ابنَ العلقمي كان رافضيًا .. ثم ساق القصةَ [مختصر أخبار الخلفاء: ص 136 - 137] "
وابنُ الساعي هذا ذكرهُ محسنُ الأمين من رجالِ الشيعةِ فقال:"علي بنُ أنجبٍ البغدادي المعروف بابنِ الساعي له أخبارُ الخلفاءِ ت 674 هـ" [أعيان الشيعة: 1/ 305] .
ويكفي دلالة على صلة الروافض بنكبة المسلمين وتمني حصول أمثالها هذا التشفي الذي صدر على ألسنة شيوخهم المتأخرين والمعاصرين كالخوانساري، والخميني وأمثالهما.
كتبه
عَبْد اللَّه بن محمد زُقَيْل
(يُتْبَعُ)