وبما أننا مثَّلنا على الدور الإيجابي للعلماء الربانيين بمواقف شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، فإننا ننبِّه أيضًا إلى أنه كان له رحمه الله إخوة من العلماء والعباد، وطلاب ومحبون من العامة والأمراء، بتعاضده معهم بعد توفيق الله تعالى أفلح في تحقيق مشاريع كثيرة بعضها متعلق بالدعوة وإظهار الحق، وبعضها متعلق بالجهاد، و أخرى متعلقة بإنكار المنكرات، وكثير منها لم يكن ليتأتى له -على الرغم من القدرات العلمية التي حباه الله- لو سلك نهج العمل الفردي، ولو تأملت حال مجددي الأمة على مر العصور تلمس طابع التفاعل مع المجتمع والتفعيل لقواه المختلفة أمرًا مطردًا، وهذا أمر طبعي فكيف يتأتى لأمة خاملة منهكة أن تنهض دون أن تستجمع قواها، ولو كان أحد يستغني عن الآخرين في نشر الإسلام ونصره إذًا لاستغنى الأنبياء عليهم السلام، ولكن هذا لم يكن ومن تأمل سيرة أكثر الأنبياء تبعًا، وهو محمد صلى الله عليه وسلم، وجد ذلك جليًا، وفي عصورنا المتأخرة نجد تعاون الإمامين محمدبن سعود ومحمد بن عبد الوهاب رحمهما الله مثالًا يقتدى.
العلماء .. والمشاريع المشتركة:
إن واقع الأمة يتطلب تفعيلًا لها من قبل المبصرين لما يجب أن تكون عليه وفقًا لمنهج الله الذي ارتضى لعباده، وهذا يحتم على أهل العلم والفضل التقاء واتفاقًا على مشاريع مختلفة باختلاف المتفقين عليها وباختلاف أولويات واقعهم، فضلًا عن نبذ التناحر والتنافر الذي لا يخفى أثره، وينبغي أن نراعي في هذا أمورًا، منها:
- (الاجتماع على كلمة حق سواء) مقصد ينبغي أن نسعى إليه كما ينبغي أن نجتهد في نبذ الفرقة والاختلاف، فإن من جملة أسباب ما تعيشه الأمة تفرق الناس شيعًا وأحزابًا متناقضة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية:"وهذا التفريق الذي حصل من الأمة علمائها ومشايخها، وأمرائها وكبرائها هو الذي أوجب تسلط الأعداء عليها" (8) ، وإذا كنا نعتقد أن اختلاف حكام الإسلام وتشرذمهم قد أضعف الأمة، وأغرى أعداءها بها، فكلمة شيخ الإسلام هذه تذكرنا بأن اختلاف المشايخ والعلماء مصيبة لا تقل عن تلك.
-قد لا يتأتى الاتفاق على كل الفروع ومع ذلك فقد يتأتى الاجتماع على مشاريع مشتركة، وهذا الاتفاق على مشروع لا يعني إقرار المتفقين بعضهم بعضًا على التصورات والآراء غير التي يتبناها المجتمعون في مشروعهم المشترك. فلا ينبغي أن يحسب هذا على هذا أو يخلط بينهما على سبيل الإطلاق، ولاسيما إذا اقتضى الاجتماع في مشروع ما معالجة واقع معين كفتنة داهمة، أو نازلة عامة. ومن نظر إلى الشريعة السمحة وجد بعض الواجبات مناطة بمجموع الأمة، تتطلب اجتماعًا ولو مع مخالف في أصل من الأصول، فالجمعة والجماعة مثلًا مأمور بها ولو مع مخالفين، بل قد تكون واجبة ولو خلف إمام مبتدع في بعض الأحوال، وكذلك الجهاد، وللإمام أحمد كلام رصين في ذلك كما في المغني (كتاب الجهاد) ، وكثير من التشريعات ذات الطابع الجماعي، فلا غرو إذًا إذا تعين واجب على مجموع الأمة، أو تكفل اجتماع بواجب كفائي أو عيني حالٍ على بعض الأمة؛ من أن تلزم المشاركة فيه رغم الخلاف مع بعض المشتركين في أصول أو فروع أخرى دون إقرار بما هو مختلف فيه.
-النصح للمسلم من حقوقه فلا ينبغي أن يغفل، ولاسيما المخالط القريب، ويتأكد ذلك عندما يكون الاختلاف معه على أمر ربما لم يكن المشروع المتفق عليه بأولى من دعوته إلى ذلك الأمر المختلف فيه. بل قد يكون من الغش لأنفسنا ولأخوتنا وللأمة اجتماعنا لعلاج داء يسير مع من يحملون داءً عضالًا قاتلًا كان البدء به أحرى.
-ومما ينبغي أن يراعى كذلك النظر في أهداف المشروع المنشودة ومحلها من حيز الإمكان، فإن بعض المشاريع غير ممكنة ومع ذلك يوجد من يروج لها، ولذا فلابد من النظر في مدى واقعية الأهداف في نفسها، وكذلك في الأدوات والوسائل التي يراد أن يتوصل بها إليها، وتشمل هذه المجتمعين أنفسهم، فقد لا أكون مناسبًا للقيام بعمل ما يحسنه غيري، وكذلك العكس، بل قد يكون الاجتماع على بعض المشاريع مع بعض الناس من قبيل العبث وتضيع الجهود والأوقات، بل قد يفضي إلى نقيض الهدف المنشود، فإن طلب المقصود من غير طريقه يُبَعِّد من طريق المقصود.
(يُتْبَعُ)