فهرس الكتاب

الصفحة 19393 من 28557

قال الحافط ابن حجر [الفتح1/ 111] : (والصحابة الذين أدركهم ابن أبي مليكة، من أجلهم: عائشة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، وأبو هريرة. . . فهؤلاء ممن سمع منهم، وقد أدرك بالسن جماعة أجل من هؤلاء، كعلي، وسعد بن أبي وقاص، وقد جزم بأنهم كانوا يخافون النفاق في الأعمال، ولم ينقل عن غيرهم خلاف ذلك، فكأنه إجماع، وذلك لأن المؤمن قد يعرض عليه في عمله ما يشوبه مما يخالف الإخلاص، ولا يلزم من خوفهم من ذلك وقوعه منهم. . .) .

وكان أبو الدرداء رضي الله عنه إذا فرغ من التشهد في الصلاة يتعوذ بالله من النفاق، ويكثر التعوذ منه، فقال له أحدهم: ومالك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال دعنا عنك، فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه (5) .

وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: (ما خافه -النفاق- إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق) [أخرجه البخاري تعليقا] (6) .

وسئل الإمام أحمد: ما تقول فيمن لا يخاف على نفسه النفاق؟ قال: (ومن يأمن على نفسه النفاق) ؟! (7) .

يقول ابن القيم: (وبحسب إيمان العبد ومعرفته يكون خوفه أن يكون من أهل هذه الطبقة، ولهذا اشتد خوف سادة الأمة وسابقيها على أنفسهم أن يكونوا منهم، فكان عمر يقول لحذيفة: ناشدتك الله، هل سماني رسول الله مع القوم؟ فيقول: لا، ولا أزكي بعدك أحدا(8) ، يعني لا أفتح علي هذا الباب في تزكية الناس، وليس معناه أنه لم يبرأ من النفاق غيرك) (9) .

فتأمل رحمك الله ما عليه أولئك الأسلاف الأبرار من خوف شديد من النفاق ودواعيه، ثم انظر إلى حال الأكثرين منا في هذا الزمان، فمع ضعف الإيمان وغلبة الجهل تجد الأمن من النفاق والغفلة عنه!. . . فالله المستعان.

5 -المنافقون كثر:

ومما يوجب مزيد الخوف من النفاق والحذر من المنافقين؛ أنهم كثيرون، منتشرون في بقاع الأرض، كما قال الحسن البصري رحمه الله: (لولا المنافقون لاستوحشتم في الطرقات) (10) .

وقال ابن القيم: (كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات، سمع حذيفة رضي الله عنه رجلا يقول: اللهم أهلك المنافقين، فقال: يا ابن أخي، لو هلك المنافقون لاستوحشتم في طرقاتكم من قلة السالك) (11) .

ولا يعني ذلك تعميم الحكم بالنفاق على الأكثرية والأغلبية، فإن النفاق شعب وأنواع، كما أن الكفر شعب وأنواع، والمعاصي بريد الكفر، فكذا من كان متهما بنفاق فهم على أنواع متعددة، كما وضحه شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: (ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعا واحدا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب وفيه شعبة من النفاق، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك: صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكن يعاتبون عليه قبل ذلك. . .) (12) .

6 -سهولة الانخداع بهم:

فالمنافقون أصحاب تذبذب وتقلب، وأرباب خداع وتلبيس، فيتكلمون بمعسول الكلام، وفصيح الخطاب، ويظهرون للناس في هيئة حسنة، ومظهر جذاب، فربما انخدع لهم الفئام من المسلمين، فمالوا إليهم وأصغوا إلى قولهم وتدليسهم، قال تعالى: {وفيكم سماعون لهم} [التوبة: 47] ، وقال سبحانه: {وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقون: 4] .

إن هذا التلون والتذبذب يجعل خطرهم كبيرا، وشرهم مستطيرا، حيث يخفون كفرهم وضلالهم، ويتظاهرون بالإيمان والاهتداء.

ولذا. . . خفي على كثير من المسلمين حال بعض الزنادقة - المنافقين - في القديم والحديث، وكما قال الذهبي رحمه الله في شأن الحلاج: (فهو صوفي الزي والظاهر، متستر بالنسب إلى العارفين، وفي الباطن: فهو من صوفية الفلاسفة أعداء الرسل، كما كان جماعة في أيام النبي صلى الله عليه وسلم منتسبون إلى صحبته وإلى ملته، وهم في الباطن من مردة المنافقين، قد لا يعرفهم النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلم بهم، قال تعالى: {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم} [التوبة: 101] ، فإذا جاز على سيد البشر أن لا يعلم ببعض المنافقين وهم معه في المدينة سنوات، فبالأولى: أن يخفى حال جماعة من المنافقين الفارغين عن دين الإسلام بعده عليه الصلاة والسلام على العلماء من أمته) (13) .

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت