فهرس الكتاب

الصفحة 19396 من 28557

قال القرطبي: (إنما كان ذو الوجهين شر الناس؛ لأن حاله حال المنافق، إذ هو متعلق بالباطل وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس، وقال النووي: هو الذي يأتي كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها ومخالف لضدها، وصنيعه نفاق ومحض كذب) (30) .

فالمداهنة محرمة ومذمومة، بخلاف المداراة؛ فقد سلكها رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عندما: (استأذن رجل في الدخول على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال:(بئس أخو العشيرة) فلما جلس تطلق له النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه، وانبسط له، فسألته عائشة، فقال: يا عائشة متى عهدتيني فاحشا؟ إن شر الناس عند الله: من تركه الناس مخافة فحشه) (31) .

وقد بين أهل العلم الفرق بين المداراة والمداهنة، ومراد النبي صلى الله عليه وسلم في مسلكه تجاه ذلك الرجل. . . (قال القاضي عياض: الفرق بين المداراة والمداهنة: أن المداراة: بذل الدنيا لصلاح الدين، أو الدنيا، أو هما معا، وهي مباحة، وربما استحبت، والمداهنة: ترك الدين لصلاح الدنيا، والنبي صلى الله عليه وسلم إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه قول حق، وفعله معه حسن عشرة) (32) .

وقال ابن بطال: (حيث ذمه كان لقصد التعريف بحاله، وحيث تلقاه بالبشر كان لتأليفه، أو لاتقاء شره، فما قصد بالحالتين إلا نفع المسلمين، ويؤيده أنه لم يصفه في حال لقائه بأنه فاضل ولا صالح) (33) .

ثانيا: ينبغي أن نفرق بين النفاق وما يعرض القلب من الغفلة والتغير بعد الخشوع والإخبات.

يقول ابن رجب: (لما تقرر عند الصحابة رضي الله عنهم أن النفاق هو اختلاف السر والعلانية، خشي بعضهم على نفسه أن يكون إذا تغير عليه حضور قلبه ورقته وخشوعه عند سماع الذكر برجوعه إلى الدنيا والاشتغال بالأهل والأولاد والأموال. . . أن يكون ذلك منه نفاقا، كما في صحيح مسلم عن حنظلة الأسيدي أنه مر بأبي بكر الصديق رضي الله عنه (فقال: كيف أنت يا حنظلة، قلت: نافق حنظلة، قال: سبحان الله! ما تقول، قال: نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرنا بالنار والجنة حتى كأنا رأي العين، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم عافسنا - اشتغلنا بـ - الأزواج والأولاد والضيعات، فنسينا كثيرا، فقال أبو بكر: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأخبره حنظلة بحاله، فقال عليه الصلاة والسلام:(والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عندي لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) (34) .

وقال النووي: (وأصل النفاق: إظهار ما يكتم خلافه من الشر، فخاف أن يكون ذلك منافقا، فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنفاق، وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك) (35) .

والمقصود: أن أمر النفاق شيء، والغفلة والذهول شيء آخر، حيث يرد هذا التغير على القلب، لكنه أمر عارض يصيب القلب ساعة، فيستغفر العبد ربه وينيب.

ثالثا: أن نفرق بين قبول الحق من كل شخص سواء أكان مؤمنا أو كافرا أو منافقا، وبين موالاة ذلك الشخص ومودته، فالمنافق إذا قال صوابا، فإنه يقبل هذا الصواب منه، ومع ذلك فله واجب العداوة والبغضاء بحسب نفاقه، وفي المقابل: فإن العالم الفاضل أو الداعية الصادق، وإن وقع في زلة أو عثرة، فلا يوافق على زلته وعثرته، لكن يبقى له حق الولاء والنصرة حسب إيمانه وتقواه.

كما قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: (واحذروا زيغة الحكيم، وقد يقول المنافق كلمة الحق، فاقبلوا الحق؛ فإن على الحق نورا) (36) .

فنسأل الله العظيم أن يعيذنا من النفاق، وأن يختم لنا بالإيمان

وبالله التوفيق

[عن مجلة البيان]

1)انظر: مدارج السالكين، 1/ 347.

2)طريق الهجرتين، ص 402 404، باختصار يسير.

3)مدارج السالكين، 1/ 347.

4)أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 23، والطبراني في الكبير، 18/ 237، والبيهقي في الشعب، 2/ 161، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد، (1/ 187) : (رجاله رجال الصحيح) ، وصححه الألباني في الجامع الصغير.

5)أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص69، وقال الذهبي في السير (6/ 382) : إسناده صحيح.

6)وأخرجه الخلال في السنة، 5/ 68.

7)انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 493.

8)كان عمر الفاروق رضي الله عنه يخاف من نفاق العمل لا نفاق الكفر، كما أن عمر يخاف هذا النفاق الأصغر على نفسه في الحال وليس عند الموت فحسب، انظر تفصيل ذلك في جامع العلوم، 2/ 492، وفتح الباري، 1/ 90.

9)طريق الهجرتين، ص 409.

10)أخرجه ابن بطة في (الإبانة الكبرى) ، 2/ 698.

11)مدارج السالكين، 1/ 358.

12)مجموع الفتاوي، 7/ 523.

13)سير أعلام النبلاء، 14/ 343.

14)جامع العلوم، 2/ 492.

15)مجموع الفتاوي، 17/ 118.

16)انظر: (التنبيه والرد) للملطي، ص164.

17)أخرجه الخلال في السنة (5/ 72) ، والفريابي في صفة المنافق (72، 85) .

18)أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 93.

19)انظر: جامع العلوم والحكم، لابن رجب، 2/ 480.

20)فتح الباري، 13/ 74.

21)أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 53.

22)أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 92.

23)أخرجه الفريابي في (صفة المنافق) ، ص 4، وقال الذهبي في السير (11/ 362) : (هذا حديث حسن الإسناد) .

24)سير أعلام النبلاء، 11/ 362.

25)مجموع الفتاوى، 28/ 433.

26)انظر: مجموع الفتاوى لابن تيمية، 7/ 171.

27)أخرجه أبو داود والنسائي.

28)أخرجه الخلال في السنة، 5/ 70.

29)أخرجه البخاري ومسلم.

30)فتح الباري، 10/ 475.

31)أخرجه البخاري ومسلم.

32)فتح الباري، 10/ 454.

33)فتح الباري، 13/ 171.

34)جامع العلوم والحكم، 2/ 94.

35)صحيح مسلم بالنووي، 17/ 67.

36)أخرجه أبو نعيم في الحلية، 1/ 232، 233.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت