فهرس الكتاب

الصفحة 19442 من 28557

ولو تكرم الشيخ القرضاوي بالتفاتة عابرة على تراث ابن تيمية لما أوقع نفسه في هذه العثرة.

ـ الانفتاح"المنتظر"من الشيخ القرضاوي مع أهل السنة والجماعة قد صيّره بعيد المنال , لما عَرّض بأهل السنة ولمزهم بالإرهاب الفكري , وأن انتشار هذه المدرسة (السلفية) لأجل قوة سياسية أو اقتصادية.

ولو نطق بهذا اللمز غير القرضاوي من الأغمار وأشباههم لكان أمرًا مكرورًا! لكن أن يصدر هذا الطعن من أشهر الشخصيات الإسلامية في العالم , وأبرز علماء العصر! فهذا مردود شرعًا وعقلًا وفطرة وواقعًا.

أفيقال: إن ظهور مذهب السلف في أرض الكنانة مثلًا لأجل نصرة النظام المصري لمذهب السلف الصالح!!! إن مذهب السلف الصالح يكابد أنواعًا من المكر الكبّار - خصوصًا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر - ومع ذلك فمذهب السلف له الظهور والقبول والانتشار , إذ هو في غاية الاطراد والوضوح , وهو المذهب الذي تقبله العقول والفِطَر , والقائم على الرسوخ واليقين والتسليم للشرع والاستدلال به .. وكما قال ابن تيمية:"وإذا تأمل اللبيب الفاضل تبيّن له أن مذهب السلف والأئمة في غاية الاستقامة والسداد , والصحة والاطراد , وأنه مقتضى المعقول الصريح , والمنقول الصحيح , وأن من خالفه كان مع تناقض قوله المختلف الذي يؤفك عنه من أُفك خارجًا عن موجب العقل والسمع , مخالفًا للفطرة والسمع .."الفتاوى 5/ 212, 213.

والمأمول من الشيخ القرضاوي أن يفتح قلبه ويشرح صدره لإخوانه أهل السنة والجماعة , وأن يطالع تراثهم بموضوعية وبلا مقررات سابقة , فالشيخ القرضاوي قد خاض غمار حياة حافلة بالمكتسبات والابتلاءات والتجارب , وأعقب ذلك مرونة ظاهرة , وانفتاحًا في غاية الاتساع , كما في مواقفه من الأنظمة والغرب .. وإخوان القرضاوي وأبناؤه من أهل السنة والجماعة هم أحق وأولى بهذا الانفتاح والتواصل!

ـ ويقرر الشيخ القرضاوي أن منهج القرآن عدم تجميع نصوص الصفات في نسق واحد , إذ قد يوهم التركيب والتجسيم - على حدّ دعواه - .. وهكذا فإن"كابوس"التشبيه قد استحوذ على القرضاوي , فظن أن هذا الإثبات يعدّ تجسيمًا .. وما أجمل ما قاله أبو الحسن الأشعري لأبي علي الجبائي (المعتزلي) : كأن القرآن قد نزل بلغة جبّاء! والقرضاوي يريد أن يجعل القرآن وفق"مقررات"الأزهر وعقائد البنا! وكما قال ابن تيمية: المعتزلي يجعل القرآن معتزليًا , والرافضي يجعله رافضيًا .. وهكذا.

وهل إذا تمّ التفريق - بناء على قاعدة القرضاوي - يزول محذور الشبيه؟!

ها أنتم تزعمون التمثيل والتشبيه في أكثر نصوص الصفات وهي مفرّقة في القرآن ومع ذلك أعملتم التأويل المذموم , والتفويض والتجهيل!

وهاهو صاحبكم البيهقي - رحمه الله - جمع ما يتعلق بالصفات في كتابه الشهير (الأسماء والصفات) ثم أعقبها بتأويلات المتكلمين كابن فورك وأشباهه والمقصود أن محذور (الجمع) و (التفريق) ليس مؤثرًا عندكم , فأنتم عازمون وماضون في التأويل أو التجهيل سواء اجتمعت النصوص أو افترقت!

وبالجملة فهذه القاعدة المتهافتة من"جراب"القرضاوي فلا دليل عليها , وليس له سلف في ذلك.

والمقصود أن حشد نصوص الصفات الثابتة والصريحة يحقق إقرارًا بمعانيها , وفهمًا لدلالتها , وهذا لا يروق لأرباب التفويض والتأويل! وكذا فإن نَفَس التفويض قد أحكم قبضته على القرضاوي حتى أنه أورد نقلًا جليًا في إثبات الصفات لعثمان الدارمي , فزعم أنه تفويض!!

ومن تقريرات السلف الصالح في بيان أن معاني الصفات معلومة وليس مجرد مذهب ابن تيمية وابن القيم كما يظن القرضاوي , ماقاله شيخ الإسلام الصابوني (ت449هـ) :"ينبغي للمسلمين أن يعرفوا أسماء الله وتفسيرها , فيعظموا الله حق عظمته , ولو أراد رجل أن يعامل رجلًا طلب أن يعرف أسمه وكنيته , واسم أبيه وجدّه , وسأل عن صغير أمره وكبيره , فالله الذي خلقنا ورزقنا ونحن نرجو رحمته ونخاف من سخطه أولى أن نعرف أسماءه ونعرف تفسيرها"الحجة في بيان المحجة 1/ 22.

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت