فهرس الكتاب

الصفحة 19894 من 28557

القانون الجديد الذي وافق عليه الكنيست هذا الشهر يخوّل دائرة الأراضي بيع الأراضي الواقعة في حوزتها إلى المستأجرين اليهود الحاليين. وبذلك يمكن لسكان الكيبوتس والموشاف، وهم الذين استولوا على أوسع االمساحات من أراضي اللاجئين القروية، أن يملكوها، ويحولوها إلى مراكز صناعية أو سياحية حيث إنهم فشلوا في الزراعة وعادوا إلى مهنهم في التجارة والمال.

وتتم الآن المفاوضات بين الصندوق القومي اليهودي ودائرة إسرائيل للأراضي لتبادل الاراضي بينهما، حيث إن الأخيرة تحتاج إلى أراض يملكها الصندوق في وسط البلاد لبناء مجمعات سكنية عليها، وتقايضها بأراضي اللاجئين في الجليل والنقب لكي يستوطن فيها مهاجرون جدد. وكلاهما بالطبع ليست له ملكية قانونية كاملة لكل هذه الأراضي. والأخطر من ذلك أنه إذا حاز الصندوق على أراضي اللاجئين هذه، فإنه بموجب قانونه الذي يقصر استعمال الأراضي على اليهود فقط، يحرم المواطنين الفلسطينيين من حق استخدام هذه الأراضي، بتطبيقه نظام التمييز العنصري ضد غير اليهود. وهي أصلًا أراضٍ غير يهودية. وعندما يتم تبادل الأراضي بين الطرفين بعد موافقة الكنيست فإن أول نتائجها هو نقل ملكية 90 ألف منزل إلى مستأجريها الحاليين لتصبح ملكًا خالصًا لهم.

بالطبع فان هذا الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وبيعها هو مخالف للقانون الدولي بشكل قاطع. كما انه مخالف لاتفاقية لاهاي عام 1907 باعتباره"عملية نهب"، ومخالف لاتفاقية جنيف الرابعة (المادة 147) التي تمنع"الاستيلاء الجماعي على الممتلكات". وهو أيضًا مخالف لأحكام محكمة نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية التي صدرت في القضية رقم 10 والتي تشجب الاستيلاء الجماعي على الممتلكات في البلاد المحتلة.

وقد أصدرت الأمم المتحدة عدة قرارات في الأعوام 1996 - 1997 - 1998 وغيرها مثل قرار 52/ 62 بعنوان"ممتلكات اللاجئين والحق في الدخل منها"، الذي فرض على إسرائيل المحافظة على أراضي اللاجئين وتوثيقها وتقديم معلومات عنها، وأكد على حق اللاجئين في الحصول على الدخل المستوفى منها منذ عام 1948.

لقد بلغت إسرائيل مرحلة من تحدي القانون الدولي وحلفائها الاميركيين والأوروبيين الذين لم يحركوا ساكنًا، إلى طرد أهالي القدس من بيوتهم تحت أنظار العالم كما حدث قبل اسبوعين، من دون أن نسمع شيئًا سوى همهمة الاستنكار.

ومن الغريب حقا أن تقرر إسرائيل علانية ضم الضفة الغربية من دون أن ينتبه أحد الى ذلك أو يعترض عليه، وهذا الضم ليس مجرد الاستيلاء على بقعة هنا أو هناك على رؤوس التلال لإقامة مستوطنات عليها.

لقد أصدر قاضي محكمة الرملة حكمًا، كما جاء في جريدة"هآرتس"بتاريخ 2/ 8/2009، يقضي بتطبيق قانون أملاك الغائبين على الضفة الغربية نفسها، اي مصادرة الأرض الفلسطينية إذا اعتبرت إسرائيل مالك الأرض غائبًا. وهو حكم مخالف لقرارات مجلس الأمن والرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في تموز (يوليو) 2004 والذي يؤكد بشكل قاطع ان الضفة الغربية ارض محتلة ولا يجوز ضمها او الاستيلاء عليها.

يا للعجب! لم نسمع صوتًا عربيًا او اجنبيًا يشجب ذلك. بل ان إسرائيل أعلنت في جريدة فلسطينية مقدسية (القدس) بتاريخ 28/ 6/2009 نيتها تسجيل 139 ألف دونم من أراض شمال وغرب شاطئ البحر الميت لدولة إسرائيل، ما لم يعترض أحد ويثبت حقه (!) . وبذلك تحرم دولة فلسطين المنتظرة من مياه البحر الميت وشواطئه وثرواته المعدنية وحدوده مع الأردن، باستيلاء إسرائيل رسميًا على مساحة كبيرة من غور الأردن.

كل هذا ولا أحد يدري، وإن درى لا يقول، وإن قال لا يفعل. هذا معناه أن قضية فلسطين كلها قد تلخصت في شعبها الذي يعيش في الشتات وفي أرضها التي كانت تحت الوصاية الإسرائيلية، وتصبح الآن قطعًا من الأرض يملكها يهود من مختلف بلاد العالم بموجب صكوك قانونية إسرائيلية.

لكن الحق يبقى دائمًا، والمطلوب ممن يدافعون عنه أن يقوموا بواجبهم.

أول من دق ناقوس الخطر هو مؤسسة"عدالة"، المؤسسة القانونية للدفاع عن العرب في الداخل ومقرها الناصرة. فقد أرسلت في 22/ 6/2009 خطابًا إلى النائب العام في إسرائيل تحتج فيه على بيع أراضي اللاجئين بموجب بنود في القانون الدولي والإسرائيلي. كما أصدرت جمعية"اتجاه"ومقرها حيفا بيانًا عامًا تشجب فيه قيام إسرائيل بتوزيع غنائم حرب 1948 على يهود العالم، ودعت إلى دعم عربي ودولي لمنع عملية النهب العلني هذه.

ولكن هناك الكثير مما يجب عمله ولم يتم. إن على الجامعة العربية أن تقدم مشروع قرار في جلسة الأمم المتحدة القادمة يقضي بوقف وإلغاء عمليات بيع أراضي اللاجئين فورًا وشجب هذه العمليات وإرسال بعثة تقصي الحقائق لمعرفة أوضاع أراضي اللاجئين وتسجيلها وتقدير المداخيل الفعلية من استغلالها لمدة 62 عامًا (وهو الأمر الذي دعا إليه خبير أراضي اللاجئين جارفس عام 1964) ، واصدار قرار بوضع هذه الاراضي تحت الحماية الدولية.

وعلى القيادة الفلسطينية، بعد أن تفرغ من توزيع المناصب، أن تتخذ الإجراءات الدبلوماسية والفعلية اللازمة، وإلا فإنها لن تجد بعد سنوات قليلة أرضًا تقول إنها فلسطينية لكي تقيم عليها دولة أو سلطة.

أما الشعب الفلسطيني الذي بلغ تعداده 11 مليون نسمة في البلاد العربية والأجنبية فلن يتخلى عن حقه في وطنه رغم انه حرم حتى الآن من حقه في انتخاب مجلس وطني جديد يمثله خير تمثيل. وفي غياب هذا التمثيل لا شك ان الشعب الفلسطيني سينظم نفسه في تنظيمات تؤدي الى تمثيله والدفاع عن حقوقه. وسيقوم بفضح هذا النهب المنظم لمقدراته الوطنية. ولن تكون النتيجة في المدى الطويل إلا غياب الصهيونية وعودة عروبة فلسطين.

* رئيس ومؤسس هيئة أرض فلسطين - لندن

الحياة، 24/ 8/2009

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت