فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قلت بحول الله تعالى: فهذه هي أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذا جملة من فضائلها ( [16] ) ، وقد ركزنا على بيان علمها وفقهها لأن السفهاء أصحاب الإفك الحديث رموها من هذا الجانب. ولا عجب من هؤلاء السفهاء فهم تجنوا على أنبياء الله وحوارييهم فكيف تسلم أم المؤمنين رضي الله عنها من ألسنة هؤلاء الطاعنين الذين لم يعرفوا لأنبياء الله عليهم الصلاة والسلام حرمة ولم يقدروهم حق قدرهم.
فأصحاب الإفك الحديث رموا من تربت تسع سنين في بيت الصديق أبي بكر رضي الله عنه وتأدبت بأدب الصديق، ومن ثم انتقلت إلى بيت النبوة فتأدبت بأدب النبوة بأنها كانت تجهل أن الله عليم بذات الصدور، أي عليم بما يخفيه الإنسان ويكتمه في صدره. ولا شك أن هذا الإفك الذي رموه بها لو نسب إلى أحدهم أو إلى أحد أبنائهم الذين لم يبلغوا الحلم بعد لاشتط بذلك غضبهم، عاملهم الله عز وجل بما يستحقون.
ومع كل هذا ينتسب أصحاب الإفك الحديث إلى عائشة رضي الله عنها ويقولون أنها أمهم، وكذبوا والله فإن عائشة رضي الله تعالى عنها ليست أم كل من هب ودب، وإنما هي أم المؤمنين الموحدين المتبرئين من الشرك وأهله لا غير.
ولا يدري هؤلاء المساكين أصحاب الإفك الحديث أنهم بهذا الإفك يؤذون النبي صلى الله عليه وآله وسلم. لأنهم رموا زوجته وحبيبته بهذا الإفك الذي لا يرضونه هم لأهل بيتهم والذي لو نسب إلى أهل بيتهم لغضبوا أشد الغضب.
يقول الله عز وجل: [إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآَخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا] (الأحزاب: 57)
وفي حادثة الإفك الأول قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعذر من صاحب الإفك الأول عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال وهو على المنبر: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي عَنْهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِي، وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا» ( [17] ) .
أقول بحول الله تعالى: فإننا بحول الله تعالى سنعذر رسولنا وحببينا وقائدنا وأسوتنا فداه آباؤنا وأمهاتنا صلى الله عليه وآله وسلم من رجال سفهاء بلغ أذاهم إلى أهل بيته، بل بلغ أذاهم إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيضًا في التقصير عن تعليم أهله أبسط معاني العقيدة، وسنأتي بنيان هؤلاء من القواعد بفضل الله عز وجل فننسفه نسفًا حتى يخر عليهم سقفهم المنتن من فوقهم، فلا تقوم لهم قائمة بعدها إلى يوم القيامة بإذن الله عز وجل. فإليك الحديث الذي استدل به أصحاب الإفك الحديث:
أخرج الإمام مسلم في صحيحه قال: وَحَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ حَجَّاجًا الأَعْوَرَ - وَاللَّفْظُ لَهُ - قَالَ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللَّهِ - رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ - عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ بْنِ الْمُطَّلِبِ أَنَّهُ قَالَ يَوْمًا: أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ أُمِّي، قَالَ: فَظَنَنَّا أَنَّهُ يُرِيدُ أُمَّهُ الَّتِي وَلَدَتْهُ. قَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: (أَلاَ أُحَدِّثُكُمْ عَنِّي وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم) . قُلْنَا: (بَلَى) . قَالَ: قَالَتْ: (لَمَّا كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فِيهَا عِنْدِي انْقَلَبَ فَوَضَعَ رِدَاءَهُ، وَخَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وَبَسَطَ طَرَفَ إِزَارِهِ عَلَى فِرَاشِهِ فَاضْطَجَعَ، فَلَمْ يَلْبَثْ إِلاَّ رَيْثَمَا ظَنَّ أَنْ قَدْ رَقَدْتُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ رُوَيْدًا، وَانْتَعَلَ رُوَيْدًا، وَفَتَحَ الْبَابَ، فَخَرَجَ، ثُمَّ أَجَافَهُ( [18] ) رُوَيْدًا، فَجَعَلْتُ دِرْعِي فِي رَأْسِي، وَاخْتَمَرْتُ، وَتَقَنَّعْتُ إِزَارِي ( [19] ) ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ عَلَى إِثْرِهِ حَتَّى جَاءَ الْبَقِيعَ، فَقَامَ فَأَطَالَ الْقِيَامَ، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ انْحَرَفَ فَانْحَرَفْتُ، فَأَسْرَعَ فَأَسْرَعْتُ، فَهَرْوَلَ فَهَرْوَلْتُ ( [20] ) ، فَأَحْضَرَ فَأَحْضَرْتُ ( [21] ) ، فَسَبَقْتُهُ فَدَخَلْتُ، فَلَيْسَ إِلاَّ أَنِ اضْطَجَعْتُ فَدَخَلَ فَقَالَ: «مَا لَكِ يَا
(يُتْبَعُ)