8 -ومن فضائله ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: جاء رجل الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ياخير البرية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ذاك إبراهيم عليه السلام ) ) (5) وهذا من تواضعه صلى الله عليه وسلم.
9 -بلغ أعلى درجات الإيمان وهو اليقين.
قال ربنا تقدست أسماؤه: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام: 75] .
وقال: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ 3} [الأنعام: 83] .
وسأل إبراهيم ربه أن يريه كيف يحي الموتى ليصل الى عين اليقين: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي} [البقرة: 260] .
فلم يكن إبراهيم شاكا ً في قدرة الله - وحاشاه - بل أراد أن يرتقي من علم اليقين الى عين اليقين.
10 -امرنا الله باتباع ملته والتأسي به.
قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ} [الممتحنة: 4] .
وقال: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [آل عمران: 95] .
وقال: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [النساء: 125] .
وقال: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل: 123] ،وهو أمر لأمة محمد صلى الله عليه وسلم في شخص نبيها صلى الله عليه وسلم.
وقال: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ} [الحج: 78] .
وكل ماورد عن إبراهيم فعله فإنه من شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الا استغفاره لأبيه فلا يجوز الاستغفار للمشركين.
11 -يذكره المسلمون كلما صلّوا، وذكرها من أركان الصلاة.
12 -هو أول الخلائق يكسى يوم القيامة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( ألا وإن اول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ) ) (6)
والناس في ذلك اليوم يكونون حفاة عراة غرلآ.
13 -اختصه الله واسماعيل ببناء بيته الحرام الذي هو أشرف بيت وتطهيره للطائفين والعاكفين والركع السجود.
قال تبارك وتعاظم: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [البقرة: 127] .
وقال: {وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} [البقرة: 125] .
وقال: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا 3} [آل عمران: 96 - 97] .
فلما بلغ إسماعيل أشده واصبح رجلًا جاء ابوه - وكانت المرة الثانية - وقال: يابني إن الله أمرني أن ابني هاهنا بيتًا للعابدين إلى يوم القيامة فقال له: سأعينك على ذلك.فكان إبراهيم يبني واسماعيل يؤتيه الحجارة فلما تم بناؤه أذّن في الناس بالحج.
14 -أمرنا الله باتخاذ مقامه مصلى بعد كل طواف بالبيت، وهو الموضع الذي وقف عليه لبناء البيت.
قال تبارك وتعالى: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً} [البقرة: 125] . وفي قراءة نافع: {واتَخَذُوا} بلفظ الخبر.
15 -وهبة الله إسماعيل وإسحاق وهو شيخ كبير.
قال جل وعلا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ} [إبراهيم: 39] .
وقال: {فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا} [مريم: 49] .
وقال: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ} [الأنبياء: 72] .
فلا ينبغي لمن تأخر انجابه أن ييأس من رحمة الله وعليه أن يكثر من الدعاء؛ فالذي رزق إبراهيم وزكريا على الكبر قادر أن يرزقه، وأن يكثر من الاستغفار:
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّات
ٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا [نوح: 10 - 12] .
ــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ
(1) أخرجه مسلم (532) .
(2) قد يعود الضمير الى أبعد مذكور أحيانا ً ومثاله قوله تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ} فعاد الإستثناء الى القتل مع أنه أبعد مذكور،لأن أقرب مذكور لا يسوغ عود الإستثناء إليه، إذ لا تجوز ولاية الكافر على المسلم بحال.
(3) "مدارج السالكين" (1\ 467) .
(4) أنظر"الفوائد" (ص 196) .
(5) أخرجه مسلم (2369) .
(6) أخرجه البخاري (6525) ومسلم (2860) (58) عن ابن عباس رضي الله عنهما.