فهرس الكتاب

الصفحة 20429 من 28557

وأحبُّ أن أقف مع شيءٍ مما ادعاه ضيف ذلك البرنامج في تلك الحلقة، فقد زعم -بجرأتِه المعروفة- أنَّ كُتبَ الفقه الإسلامي قد كُتِبَتْ في ظل ظروف حروب وعداوات مع غير المسلمين، جعل تلك الكتابات تتخذ «التشدُّدَ» سمةً لها، ومن هنا -في رأيه- درجوا على إهمال قضية «التعايش» -بتقريره هو-! كان ذلك جوابا على سؤالٍ ألقاه المقدم (الذي يكاد يكتفي بقوله: نختلف مع الدكتور ... وقد لا نوافق الدكتور!) في هذا الشأن!

ولا غرابة في جواب الدكتور الذي ألَّف الكتب والمقالات العديدة لتقريره مذهبه في «التعايش» و «الولاء والبراء» ثم لم يجد الفقهاء قد أشبعوا نهمَه الفكري!

والمطالع في كتب أهل الفقه في الدين يعلم أنهم شرحوا ما يجب على المسلم مع الكافرين؛ من موقفٍ قلبي، ومعاملات، وأحكام المعاهدات والجزية، والحرب والسلم، وغيرها؛ لكنهم لم يقرروا ما يريده محمد عمارة وأشباهه!

فلمحمد عمارة مذهب في (الآخر الكافر) فهو لا يحب التقسيم إلى «مسلم» و «كافر» ويزعم أنَّ الفكرَ المستنير قد «طوى صفحةً للتاريخ الذي يقسم الناس إلى مؤمنين وكفار؛ ليبسط مكانَها صفحة الحضارة الحديثة التي تميز بين الأمم والشعوب على أساس من التحضر والخشونة والبداوة» . [ «الاتجاهات العقلانية» للدكتور ناصر العقل: 413، نقلا عن: (الإسلام والوحدة الوطنيَّة: 23) ] .

علَّق الدكتور ناصر العقل على هذا الكلام بقوله: «أما علِمَ هذا الجاهل أنَّ الذي قسم العباد إلى مؤمن وكافر هو الله تعالى؟ كما قال سبحانَه: {هُوَ الذي خَلَقَكُم فمنكم كافِرٌ ومنكم مؤمن} [التغابن: 2] .اهـ [السابق: 413] .

وعمارة هذا يجعل من اتفاقِ الأنبياء على التوحيد، وتنوُّعِ شرائعهم دليلا على أمرين يدعو إليهما -بحماس-:

1 -أن المسلمين وأهل الكتاب يلتقون تحت جامع الدين، الذي به تكون: النجاة. (فلا داع إذن إلى تكفير اليهود والنصارى!)

2 -شرعيَّة التوع الديني والتعددية الفكرية.

(يظهر رأيه هذا من خلال العديد من كتاباته ومنها رسالة بعنوان «التعددية» ) .

قال د. العقل بعد أن نقل رأي هذا الرجل -وأشباهه- في هذه المسألة:

«وأنا أتساءل (بجد) : هل هؤلاء مسلمون؟ وهل يُعقَل أن يجهل كل واحد منهم أنَّ الإسلام ألغى اليهوديَّة والنصرانيَّة فضلا عن غيرهما وأنه نسخ الديانات السابقة، وأنَّ الله تعالى لا يقبل من العباد غيرَ هذا الدين، وأنَّ اليهود والنصارى كفار مشركون بحكم الله تعالى لا بحكمنا» [الاتجاهات العقلانية: 413] .

ولا يعجبْ الناظرُ في كتابات عمارة وأشباهه إذا وجد قولا يناقض آخر؛ فالتناقض سمة من سمات من تركَ الدليل وضلَّ السبيل، أجارني الله وإياك أخي القارئ الكريم من مضلات الفتن!

ومن غرائب ما ألقاه محمد عمارة في قناة «دليل» تفسيره للشروط التي قررها أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب -رضوان الله عليه- على الذميين، فقد قلب د. عمارة المعنى فجعل المراد من تلك الشروط هو ألا يتزيا أولئك الكتابيون بالزي العسكري! فالمسلمون لما وصلوا إلى الأرض التي فتحوها كانوا عساكر، ومن العدل أن لا نجعل أهل الذمة يلبسون لبس العساكر!!

قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة رحمه الله بعد أن أورد تلك الشروط: «ما مقصوده (يعني: عمر) : التمييز عن المسلمين، في الشعور واللباس والأسماء والمراكب والكلام، ونحوها؛ ليتميز المسلم عن الكافر، ولا يتشبه أحدهما بالآخر في الظاهر» [اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق: د. العقل: 1/ 365] .

فالهدي الظاهر يقود إلى الهدي الباطن كما قرر شيخ الإسلام.

وقال رحمه الله بعد ذلك: «وذلك يقتضي (يعني اتفاق الصحابة على الشروط، وشهرتها عند الأئمة بعدهم) : إجماع المسلمين على التمييز عن الكفار ظاهرا، وترك التشبه بهم، ولقد كان أمراء الهدى مثل العُمرَيْن (يعني: ابن الخطاب، وابن عبد العزيز) ، وغيرهما، يبالغون في تحقيق ذلك بما يتم به المقصود» [السابق: 365] .

وذكر رحمه الله بعدَ ذلك ما يثبتُ مقصود عمر رضي الله عنه من تلك الشروط؛ بأدلة ساطعة، رحمه الله، لا بتعليلات عليلة وتأولات سخيفة!!

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت